عازب، فإنه روى عن رسول الله ﷺ،لفظه أنه قال لعليّ: «إني سقتُ الهديَ وقَرَنت» وهو حديث صحيح رواه أهل «السنن»١.
ومنهم مَن أخبر عنه ﷺ باللفظ الذي أُمِر به من ربِّه، وهو أن يقول: «عمرة في حجة» كعمر بن الخطاب٢. وحَمْلُ ذلك على أنه أَمْرٌ بتعليمه، كلامٌ في غاية البطلان. ومَن تأمل سياقَ الحديث ولفظَه ومقصودَه، عَلِم بطلان هذا التأويل الفاسد.
وقولهم: إن الرواية الصحيحة: «قل: عمرة وحجة»٣، وأنه فَصَل بينهما بالواو. وهو صريح في نفس القِران، فإنه جمع بينهما في إحرامه وامتثل ﷺ أمرَ ربه، وهو أحقُّ مَن امتثله، فقال: «لبيكَ عمرةً وحجًّا»٤ بالواو.
وقولهم: يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمرة إذا فرغَ مِن حجَّته قبل أن يرجع إلى منزله، فعياذًا بالله مِن تقليدٍ يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة! فمن المعلوم بالضرورة أن النبيَّ ﷺ لم يعتمر بعد حجَّته قطّ، هذا ما لا يشكُّ فيه مَن له أدنى إلمام بالعلم، وهو ﷺ أحقُّ الخلق بامتثال أمر ربِّه، فلو كان أُمِر أن يعتمر بعد الحجِّ كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك. ولا ريبَ أنه ﷺ اعتمر مع حجَّته، فكانت عمرته مع الحجِّ لا بعده قطعًا. ونُصرة الأقوال
(١) أخرجه أبو داود (١٧٩٧)، والنسائي في «المجتبى» (٢٧٢٥) وفي «الكبرى» (٣٦٩١).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٣٤).
(٣) أخرجها البخاري (٧٣٤٣).
(٤) سبق تخريجه من حديث أنسٍ ﵁.
إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحدِّ ظهر قُبْحُها وفسادُها.
وقولهم: محمول على تحصيلهما معًا. قلنا: أجل، وقد حصَّلهما ﷺ جميعًا بالقِران، على الوجه الذي أخبر به عن نفسه، وتبعه أصحابُه من إهلاله.
ومنهم مَن أخبر عن فعله، وهو عِمران بن حُصَين في «الصحيحين»١ عنه قال: «جمعَ رسولُ الله ﷺ بين حَجّةٍ وعمرة». وتأويلُ هذا بأنه أَمَر أو أذِنَ في غاية الفساد، ولهذا قال: «تمتع وتمتّعنا [ق ٦١] معه» فأخبر عن فِعْله وفعلهم. وسَمّى القِرانَ تمتُّعًا، وهو لغة الصحابة، كما سيأتي.
ومنهم مَن أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر، وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي «الصحيحين» عنهما: «وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ»٢ وعن عائشة مثله٣. وفي «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبيَّ ﷺ اعتمر أربع عُمَر، الرابعة مع حجته»٤. ومن المعلوم ضرورةً أنه
(١) أخرجه البخاري (١٥٧١)، ومسلم (١٢٢٦/ ١٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧/ ١٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (١٦٩٢)، ومسلم (١٢٢٨/ ١٧٥).
(٤) الذي في حديث عائشة ﵂ في البخاري (١٧٧٦)، ومسلم (١٢٥٥) إنما فيه قولها تعليقًا على قول ابن عمر ﵄: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمر إحداهن في رجب فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط». وجاء التصريح بأن الرابعة في حجته في حديث عائشة وسيأتي، وفي حديث أنس عند البخاري (١٧٧٨)، ومسلم (١٢٥٣/ ٢١٧)، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود (١٩٩٣)، والترمذي (٨٢٨)، وابن ماجه (٣٠٠٣) ﵃.