إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحدِّ ظهر قُبْحُها وفسادُها.
وقولهم: محمول على تحصيلهما معًا. قلنا: أجل، وقد حصَّلهما ﷺ جميعًا بالقِران، على الوجه الذي أخبر به عن نفسه، وتبعه أصحابُه من إهلاله.
ومنهم مَن أخبر عن فعله، وهو عِمران بن حُصَين في «الصحيحين»١ عنه قال: «جمعَ رسولُ الله ﷺ بين حَجّةٍ وعمرة». وتأويلُ هذا بأنه أَمَر أو أذِنَ في غاية الفساد، ولهذا قال: «تمتع وتمتّعنا [ق ٦١] معه» فأخبر عن فِعْله وفعلهم. وسَمّى القِرانَ تمتُّعًا، وهو لغة الصحابة، كما سيأتي.
ومنهم مَن أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر، وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي «الصحيحين» عنهما: «وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ»٢ وعن عائشة مثله٣. وفي «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبيَّ ﷺ اعتمر أربع عُمَر، الرابعة مع حجته»٤. ومن المعلوم ضرورةً أنه
(١) أخرجه البخاري (١٥٧١)، ومسلم (١٢٢٦/ ١٦٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧/ ١٧٤).
(٣) أخرجه البخاري (١٦٩٢)، ومسلم (١٢٢٨/ ١٧٥).
(٤) الذي في حديث عائشة ﵂ في البخاري (١٧٧٦)، ومسلم (١٢٥٥) إنما فيه قولها تعليقًا على قول ابن عمر ﵄: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عُمر إحداهن في رجب فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط». وجاء التصريح بأن الرابعة في حجته في حديث عائشة وسيأتي، وفي حديث أنس عند البخاري (١٧٧٨)، ومسلم (١٢٥٣/ ٢١٧)، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود (١٩٩٣)، والترمذي (٨٢٨)، وابن ماجه (٣٠٠٣) ﵃.
لم يعتمر بعد الحج، فكانت عمرته مع حجَّته قطعًا. وفي «الصحيحين» مثله عن أنس١.
واتفق ستة عشر نفسًا من الثقات عن أنس: «أن النبيَّ ﷺ أهلَّ بهما جميعًا»، وهم: الحسن البصري، وأبو قِلابة، وحُمَيد بن هلال، وحُمَيد بن عبد الرحمن الطويل٢، وقَتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البُناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صُهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قُدامة، وأبو قَزَعة الباهلي.
وروى البزار٣ من حديث ابن أبي أوفى قال: «إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحجِّ والعمرة لأنه علم أنه لا يحجّ بعد عامه ذلك».
وروى أبو القاسم البغويُّ٤ من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن أبي
(١) سبقت الإشارة إليه في الحاشية السالفة.
(٢) كذا الأصل و(ش، هـ) والمطبوعات: «حميد بن عبد الرحمن الطويل» وهو مشهور «بحميد بن أبي حميد» واختلف في اسم أبي حميد على عشرة أقوال منها «عبد الرحمن» فلعلّ المؤلف اختاره، والمشهور باسم «حميد بن عبد الرحمن» هو ابن عوف الزهري. ينظر «تهذيب التهذيب»: (٣/ ٣٨ و٣/ ٤٥).
(٣) (٣٣٤٤) من طريق يزيد بن عطاء، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى به، قال البزار: «وهذا الحديث أخطأ فيه يزيد بن عطاء إذ رواه عن إسماعيل عن ابن أبي أوفى، وإنما الصحيح عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي ﷺ ...».
(٤) لم أجده في «معجم الصحابة» له، وأخرجه ابن حزم من طريقه في «حجة الوداع» (ص ٤٩٩).