تهذيب السنن

وفي «صحيح مسلم»١ عن ابن عباس: «أهلَّ النبيُّ ﷺ بعمرة وأهلَّ أصحابُه بحجّ، فلم يحلّ النبيُّ ﷺ ولا مَن ساق الهديَ من أصحابه، وحلّ بقيتهم».

وسيأتي في كتاب «السنن»٢ عن عكرمة عنه قال: «اعتمر رسول الله ﷺ أربعَ عُمَر: عمرةَ الحديبية، والثانيةَ حين تواطؤوا على عُمرة قابلٍ، وثالثة٣ من الجِعْرَانة، والرابعة التي قَرَن مع حجته» فهذه العمرة التي قرنها مع حجَّته هي التي قال فيها: «أهلَّ النبيُّ ﷺ بعمرة» ردًّا على من قال: أهلَّ بحجٍّ مفرد. ولم يقل أحدٌ من هؤلاء ولا من غيرهم قطُّ عن النبي ﷺ أنه قال: إني أفردت الحج كما قال: «قَرَنت»، ولا قال: «سمعته يقول: لبيك حجًّا» كما قال: «لبيك حجًّا وعمرة» ولا هو أخبر عن نفسه بذلك، ولا أحد من أصحابه٤ أخبر عن لفظِ إهْلالِه به.

وأما إخباره عن نفسه بالقِران، وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريحٌ لا معارضَ له. والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القِران والتمتُّع، وهم

  1. (١) (١٢٣٩/ ١٩٦).
  2. (٢) (١٩٩٣).
  3. (٣) كذا في «المختصر»، وفي «السنن»: «والثالثة».
  4. (٤) ط. الفقي: «الصحابة».
318

لا يتناقضون في روايتهم، بل رواياتهم يصدِّقُ بعضُها بعضًا، وإنما وقع الإشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم، فإنهم كانوا يسمّون القِرانَ تمتعًا، كما في «الصحيحين» من حديث ابن عمر وقد تقدم، وحديث عليّ: «أن عثمان لما نهى عن المُتعة قال علي: لبيك بهما، وقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد»١.

ومن قال: أفرد الحج، لم يقل أفرد إهلال الحجِّ وإنما مرادُه أنه اقتصر على أعمال الحجِّ ودخلت عمرتُه في حجّه، فلم يُفرد كلَّ واحد من النُّسُكَين بعمل، ولهذا أخبر أيضًا أنه قَرَن، فعُلِم أن مراده بالإفراد ما ذكرنا.

ومَن قال: «تمتع» أراد به التمتُّع العام الذي يدخل فيه القِران بنصّ القرآن، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والقارن داخل في هذا النص، فتمتَّع ﷺ بِتَرَفُّهِه بسقوط أحدِ السَّفَرين، وقَرَن بجَمْعِه في إهلاله بين النُّسُكَيْن، وأفرد فلم يطُفْ طوافَين ولم يَسْعَ سَعْيين. ومن تأمل [ق ٦٢] الأحاديث الصحيحة في هذا الباب جزم بهذا، وهذا فَصْل النزاع، والله أعلم.

١٠٧/ ١٧٢٩ - وعن ابن عباس أن معاويةَ قال له: «أما علمتَ أني قَصَّرت عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصِ أعرابيٍّ، على المروة لحجَّتِه؟».

وأخرجه النسائي٢، وليس فيه «لحجته». وقوله: «لحجته» يعني لعمرته.

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (١٨٠٣)، والنسائي (٢٩٨٨)، وأحمد (١٦٨٨٤) وإسناده صحيح.
319

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي