ركع حين قضى طوافَه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سَلَّم، فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلِلْ مِن شيء حَرُم منه، حتى قضى حجَّه، ونحرَ هديَه يوم النَّحر، وأفاضَ، فطاف بالبيت، ثم حَلَّ مِن كلِّ شيء حَرُم منه، وفعَلَ الناسُ مثلَ ما فعل رسول الله ﷺ، مَنْ أهدى وساق الهديَ مِن الناس».
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.
قال ابن القيم ﵀: الذين قالوا: قَرَن النبيُّ ﷺ في حجَّته اختلفَتْ طرُقُهم في كيفية قِرانه:
فطائفة قالت: أحرمَ بالعمرة أوّلًا، ثم أدخل عليها الحجّ، وهذا ظاهر حديث ابن عمر وعائشة كما تقدم، وهي طريقة أبي حاتم بن حبان في «صحيحه»٢. قال: هذه الأخبار التي ذكرناها في إفراد النبيِّ ﷺ وقِرانه وتمتّعه بهما٣ مما تنازع الأئمة فيها من لَدُن النبيِّ ﷺ إلى زماننا هذا، وشَنَّع بها المعطِّلةُ وأهلُ البدع على أئمتنا، وقال٤: رويتم ثلاثةَ أحاديثَ متضادَّة في فعلٍ واحد ورَجُل واحد وحالة واحدة، وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح من جهة النقلِ، والعقلُ يدفع ما قلتم، إذ مُحالٌ أن يكون النبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع كان مُفرِدًا قارِنًا متمتّعًا. إلى أن قال: ولو تمَلَّق٥ قائل هذا في الخَلْوة إلى الباري وسأله التوفيقَ لإصابة الحقّ والهدايةَ لطلب الرشد في الجمع
(١) أخرجه أبو داود (١٨٠٥)، والبخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧)، والنسائي (٢٧٣٢).
(٢) (٩/ ٢٢٨ - ٢٣٠).
(٣) «وقرانه وتمتّعه بهما» سقطت من ط. الفقي.
(٤) في ابن حبان: «وقالوا» وهو أوجه.
(٥) ط. الفقي: «توجّه»!
بين الأخبار، ونفي التضادّ عن الآثار، لَعَلِمَ بتوفيق الواحد القهَّار١ أن أخبار المصطفى لا تتضادّ ولا تتهاتر٢، ولا يكذِّب بعضُها بعضًا، إذا صحّت من جهة النقل.
قال: والفصل بين الجمع في هذه الأخبار: أن النبي ﷺ أهلَّ بالعمرة حيث أحرم، كذلك قاله مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة٣. فخرج وهو مُهِلّ بالعمرة وحدها، حتى بلغ سَرِف أمرَ أصحابَه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حُمَيد٤ (يعني بالفسخ إلى العمرة)، فمنهم مَن أفرد، ومنهم مَن أقام على عمرته، وأما مَن ساقَ الهديَ منهم فأدخلَ الحجَّ على عمرته٥، ولم يحلّ، فأهلَّ ﷺ بهما معًا حينئذٍ إلى أن دخل مكة، وكذلك أصحابُه الذين ساقوا الهدي.
فكلُّ خبر رُوي في قِران النبي ﷺ إنما كان ذلك حيث رأوه يهلّ بهما بعد إدخاله الحجَّ على العمرة، إلى أن دخل مكة فطاف وسعى، وأمر ثانيًا مَن لم يكن ساق الهديَ وكان قد أهلَّ بعمرة أن يتمتع ويحلّ، وكان يتلهَّف على
(١) عند ابن حبان: «الجبّار».
(٢) أي: لا تتساقط فتبطل، فيُكذّب بعضُها بعضًا. «القاموس» (ص ٤٩٥). ووقع في الطبعتين: «تهاتر».
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (١٥٦٠)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٣) من حديث عائشة ﵂.
(٥) عبارة «وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحجّ على عمرته» ثابتة في نسخة «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» لكن محققو الكتاب أسقطوها من المتن لأنهم لم يجدوها في «التقاسيم والأنواع» أصل كتاب ابن حبان، ووضعوها في الهامش! وهذا تصرف غير مرضيّ، ونقل المؤلف لها هنا دليل على ثبوتها وصحتها.