بين الأخبار، ونفي التضادّ عن الآثار، لَعَلِمَ بتوفيق الواحد القهَّار١ أن أخبار المصطفى لا تتضادّ ولا تتهاتر٢، ولا يكذِّب بعضُها بعضًا، إذا صحّت من جهة النقل.
قال: والفصل بين الجمع في هذه الأخبار: أن النبي ﷺ أهلَّ بالعمرة حيث أحرم، كذلك قاله مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة٣. فخرج وهو مُهِلّ بالعمرة وحدها، حتى بلغ سَرِف أمرَ أصحابَه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حُمَيد٤ (يعني بالفسخ إلى العمرة)، فمنهم مَن أفرد، ومنهم مَن أقام على عمرته، وأما مَن ساقَ الهديَ منهم فأدخلَ الحجَّ على عمرته٥، ولم يحلّ، فأهلَّ ﷺ بهما معًا حينئذٍ إلى أن دخل مكة، وكذلك أصحابُه الذين ساقوا الهدي.
فكلُّ خبر رُوي في قِران النبي ﷺ إنما كان ذلك حيث رأوه يهلّ بهما بعد إدخاله الحجَّ على العمرة، إلى أن دخل مكة فطاف وسعى، وأمر ثانيًا مَن لم يكن ساق الهديَ وكان قد أهلَّ بعمرة أن يتمتع ويحلّ، وكان يتلهَّف على
(١) عند ابن حبان: «الجبّار».
(٢) أي: لا تتساقط فتبطل، فيُكذّب بعضُها بعضًا. «القاموس» (ص ٤٩٥). ووقع في الطبعتين: «تهاتر».
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (١٥٦٠)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٣) من حديث عائشة ﵂.
(٥) عبارة «وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحجّ على عمرته» ثابتة في نسخة «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» لكن محققو الكتاب أسقطوها من المتن لأنهم لم يجدوها في «التقاسيم والأنواع» أصل كتاب ابن حبان، ووضعوها في الهامش! وهذا تصرف غير مرضيّ، ونقل المؤلف لها هنا دليل على ثبوتها وصحتها.
ما فاته من الإهلال حيث كان ساق الهدي، حتى إن بعض أصحابه ممن لم يكن ساق الهدي لم يحلّوا، حيث رأوه ﷺ لم يحلّ، حتى كان مِن أمره ما وصفنا مِن دخوله ﷺ على عائشة وهو مُغْضَب، فلما كان يوم التروية، وأحرم المتمتعون، خرج ﷺ إلى منى وهو يُهلّ بالحج مفردًا، إذ العمرة التي قد أهلّ بها في أول الأمر قد انقضَتْ عند دخوله مكة بطوافه بالبيت، وسعيه بين الصفا والمروة. فحكى ابنُ عمر وعائشةُ أن النبي ﷺ أفردَ الحجَّ، أرادا أنَّ١ خروجه إلى منى من مكة من غير أن يكون بين هذه الأخبار تضادّ أو تهاتُر. وفقنا الله لما يحبُّه من الخضوع عند ورود السنن إذا صحّت والانقياد لقبولها، واتهام الأنفس وإلزاق العيب٢ بها إذا لم يوفَّق لإدراك حقيقة الصواب، دون القدح في السنن، والتعريج على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة، إنه خير مسؤول. تمّ كلامه٣.
وطائفة قالت٤: كان مفرِدًا أولًا، ثم أدخل العمرةَ على الحج، فصار قارنًا، فظنوا أن ذلك من خصائصه، وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث. وهذا مع أن الأكثر لا يُجَوِّزونه، فلم تأتِ لفظةٌ واحدة تدلُّ عليه، بخلاف الأول، فإنه قد قاله طائفةٌ، وفيه أحاديث صحاح.
(١) ط. الفقي: «أرادا» وأسقط «أن»، وط. المعارف: «أرادان»! وفي ابن حبان: «أراد من».