تهذيب السنن

أقلّ خطأً مِن الذي قبله، فالأحاديث الصحيحة تدلُّ على أنه قَرَن، إلا أن يريدوا بالتمتُّع القِران فهذا حقّ.

وطائفة قالت: أحْرَم إحرامًا مطلقًا، ثم عيَّنه بالإفراد، وهذا أيضًا يكفي في ردِّه الأحاديثُ الثابتةُ الصريحة.

وطائفةٌ قالت: قَرَن وطاف طوافين، وسعى سعيين. والأحاديث الثابتة التي لا مَطْعَن فيها تبطل ذلك، والله أعلم١.

١٠٩/ ١٧٣٢ - وعن حَفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: يا رسولَ الله، ما شأنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَحْلِل أنتَ مِن عُمْرتك؟ فقال: إني لَبَّدْتُ رأسي، وقَلّدْتُ هديي، فلا أحِلّ حتى أنحر».

وأخرجه البخاريّ ومسلم والنسائي وابن ماجه٢.

وقد تقدم أن المراد بالعمرة ههنا الحج. وقد رُوِي: «حَلّوا فلم تحْلِل من حَجِّك».

واختُلِف في قولها هذا، فقيل: قالتَ ذلك لأنها ظنّت أن رسول الله ﷺ كان فسخ حجّه بعمرة كما أمر بذلك مَن لا هديَ معه، فذكر ﷺ لها العلّةَ، وهي سوقُه الهدي. وقيل: معناه ما شأن الناس حلّوا مِن إحرامهم ولم تحلّ أنتَ من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنيّةٍ واحدة، بدليل قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهدي ولجعلتها عمرة» فعُلِم بهذا أنه لم يحرم بعمرة. وقيل: معناه: لِمَ لَمْ

  1. (١) ذكر هذه الأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى»: (٢٦/ ٧٤ - ٧٥) وردّها.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (١٨٠٦)، والبخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٢٢٩)، والنسائي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٣٠٤٦).
326

تحلِل من حجّك بعمرة كما أمرتَ أصحابك؟ وقد تأتي «من» بمعنى «الباء» كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله، يريد ولم تحلّ أنت بعمرة من إحرامك الذي جئت به مفردًا في حجتك١.

قال ابن القيم ﵀: وقالت طائفة: هذه اللفظة غير محفوظة، فإن عبيد الله بن عمر لم يذكرها في حديثه. حكاهما ابن حزم٢. وقالت طائفة: هي مروية بالمعنى، والحديث: «ولم تحِلّ أنتَ مِن حَجِّك»، فأبدل لفظ الحجِّ بالعمرة. وقالت طائفة: الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه في عمرة، وليس فيه أنها عمرة مفردة لا حجَّةَ معها. وقد أخبر عن نفسه بأنه قَرَن، فهو إذن في حجٍّ وعمرة ومَن كان في حج وعمرة فهو في عُمرة قطعًا.

وهذه الوجوه بعضها واهٍ وبعضها مُقارِب. فقول من قال: المراد به من حجتك بعيدٌ جدًّا، إذ لا يُعَبَّر بالعمرة عن الحجّ، وليس هذا عُرْف الشرع، ولا يطلق ذلك إلا إطلاقًا مقيَّدًا، فيقال: هي الحجّ الأصغر.

  1. (١) ذكر المجرِّد أن المؤلف علَّق على كلام المنذري ــ وساق طرفًا منه ــ وليس كلام المنذري في المطبوع من «مختصره»: (٢/ ٣٢٩) إلا إلى قوله: «فلم تحلل من حجك»، وقد وجدنا نصه في (خ - المختصر) (ق ٥٢ ب) معلّقًا في طرة النسخة، فسقناه كاملًا.
    وفي ط. الفقي ساق كلام ابن القيم من قوله: «وقد تأتي «من» بمعنى «الباء» ...» وفي ط. المعارف من قوله: «وقالت طائفة: معناه لم تحلل ...» وذلك ناتج عن عدم وقوفهم على كلام المنذري. ويظهر لي أن المجرِّد لم يحرِّر مبدأ كلام المؤلف ومنتهى كلام المنذري، وربما كان ذلك عائدًا إلى تداخل كلام ابن القيم والمنذري. والله أعلم.
  2. (٢) في «حجة الوداع» (ص ٤٣٨).
327

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي