تهذيب السنن

وقول من قال: إنها ظنّت أنه ﷺ كان فسخ العمرةَ، كما أمرَ أصحابَه، ولم يحل كما أحلوا، فبعيدٌ جدًّا، فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله، فبه يكون معتمرًا، فكيف تظنّ أنه قد فسخَ بعُمَرة، وهي تراه لم يحلّ؟

وأما قول من قال: معناه لم تحلل بعمرة، و«مَن» بمعنى الباء١، فتعسُّفٌ ظاهر، وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها.

وأما قول من قال: معناه لم تحلل من العمرة التي أمرتَ الناسَ بها ففاسدٌ، فإنه كيف يحلّ مِن عمرةِ غيره؟ وحفصة أجلُّ مِن أن تسأل هذا السؤال٢.

وأما قول مَن قال: إن هذه اللفظة غير محفوظة، ولم يذكرها عُبيد الله، فخطأ من وجهين، أحدهما: أن مالكًا قد ذكرها، ومالكٌ مالكٌ٣. والثاني: أن عُبيدَ الله نفسَه قد ذكرها أيضًا، ذكره مسلم في «الصحيح»٤ عن محمد بن المثنّى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، فذكر الحديثَ، وفيه: «ولم تحِلّ من عمرتك».

وقول مَن قال: مروية بالمعنى بعيدٌ أيضًا.

فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب؛ وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن

  1. (١) ينظر «الاستذكار»: (١٣/ ٨٩)، و«شرح البخاري»: (٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩) لابن بطّال، و«فتح الباري» (٣/ ٤٢٧).
  2. (٢) ينظر «فتح الباري»: (٣/ ٤٢٧).
  3. (٣) ينظر «حجة الوداع» (ص ٤٣٨)، و«التمهيد»: (١٥/ ٢٩٨).
  4. (٤) (١٢٢٩).
328

كونه في عمرة، وهذا لا ينفي أن يكون في حجة.

وأجود منه أن يقال: المراد بالعمرة المُتْعة، وقد تقدم أن التمتُّع يُراد به القِران، والعمرة تُطلَق على التمتُّع، فيكون المراد لم تحلّ مِن قِرانك، وسَمّتْه عمرةً، كما يسمّى تمتُّعًا، وهذه لغة الصحابة كما تقدم، والله أعلم.

١١٠/ ١٧٣٣ -١ عن سُلَيم بن الأسود: أن أبا ذرٍّ كان يقول، فيمن حجَّ ثمَّ فسَخَها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للرَّكب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ.

وقد أخرجه مسلم في «صحيحه»٢ من حديث يزيد بن شَريك التيمي، عن أبي ذر قال: «كانت المتعةُ في الحجِّ لأصحابِ محمدٍ ﷺ خاصة» وأخرجه النسائي وابن ماجه٣.

قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث قد تضمَّن أمرين:

أحدهما: فِعْل الصحابة لها، وهو بلا ريب بأمر النبي ﷺ، وهذا رواية.

والثاني: اختصاصهم بها دون غيرهم، وهذا رأي. فروايتُه حُجّة ورأيه غير حجة. وقد خالفه فيه عبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري.

  1. (١) كذا في «المختصر» وبعض نسخ «السنن» بدون باب قبل الحديث، وفي نسخ أخرى من «السنن» قبل هذا الحديث: «باب الرجل يهلّ بالحج ثم يجعلها عمرة»، وقد أضافه في ط. الفقي إلى متن «المختصر»، والأولى تركه رعاية للنُسَخ.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (١٨٠٧)، ومسلم (١٢٢٤).
  3. (٣) أخرجه النسائي (٣٧٧٧)، وابن ماجه (٢٩٨٥). وقوله «ابن ماجه» ليست في (خ- المختصر) وهي في المطبوع.
329

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي