تهذيب السنن

قال الجَرْمي١: ولم يُسْمَع «سعديك» مفردًا.

و«الرَّغْباء إليك» يقال: بفتح الراء مع المدّ، وبضمها مع القَصْر. ومعناها الطلب والمسألة والرغبة.

واختلف النُّحاة في الياء في «لبيك». فقال سيبويه٢: هي ياء التثنية. وهو من المُلْتَزم نصبُه على المصدر، كقولهم: حمدًا وشكرًا وكرامةً ومسرَّةً.

والتزموا تثنيتَه إيذانًا بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافتَه إلى ضمير المخاطَب لما خصوه بإجابة الداعي. وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادرًا، كقول الشاعر٣:

دعوتُ لِمَا نابني مسورًافلبَّى فلبَّيْ يَدَي مسور

والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] وليس المراد ما يشفع الواحد فقط. وكذلك «سعديك ودواليك».

وقال يونس: هو مفرد، والياء فيه مثل الياء في «عليك وإليك ولديك».

ومِن حُجَّة سيبويه على يونس: أن «على» و«إلى» يختلفان بحسب الإضافة، فإن جَرَّا مُضمرًا كانا بالياء، وإن جَرَّا ظاهرًا كانا بالألف، فلو كان «لبيك» كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله، سواء أضيف إلى ظاهر أو

  1. (١) تصحف في ط. الفقي إلى «الحربي». والجَرْمي هو: صالح بن إسحاق أبو عمرو الجرمي (ت ٢٢٥) له تصانيف كثيرة في النحو واللغة. ينظر «إنباه الرواة»: (٢/ ٨٠)، و«وفيات الأعيان»: (٢/ ٢٨٥).
  2. (٢) في «الكتاب»: (١/ ٣٥٠ - ٣٥٤).
  3. (٣) البيت من شواهد سيبويه. وانظر «الخزانة»: (١/ ٢٦٨).
335

مضمر، كما قال: «فلبّي يَدَي مِسْور».

وقالت طائفة من النحاة: أصلُ الكلمة لبًّا لبًّا، أي إجابة بعد إجابة، فثقل عليهم تكرار الكلمة، فجمعوا بين اللفظين ليكون أخفَّ عليهم، فجاءت التثنيةُ وحُذِف التنوين لأجل الإضافة.

وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:

إحداها: أن قولك «لبيك» يتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغةٍ ولا عقل إجابةُ مَن لا يتكلَّم ولا يدعو١.

الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولا يقال «لبيك» إلا لمن تحبُّه وتعظِّمُه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجِهٌ لك بما تحبّ، وأنها من قولهم: امرأة لَبَّة، أي مُحِبّة لولدها.

الثالثة: أنها تتضمّن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل: هي من الإقامة، أي: أنا مقيم على طاعتك.

الرابعة: أنها تتضمن الخضوعَ والذُّلَّ، [ق ٦٥] أي خضوعًا لك٢ بعد خضوع، من قولهم. أنا مُلِبّ بين يديك، أي خاضع ذليل.

الخامسة: أنها تتضمّن الإخلاص، ولهذا قيل: إنها من اللُّبّ، وهو الخالص.

  1. (١) بعده في الأصل: «من أجابه» ثم ضبّب على الكلمتين ووضع فوق الضبة ميمًا صغيرة «ضـ م» والظاهر أنه إشارة إلى حذفها لأن المعنى تام بدونها، وكذلك لم يكتبها في ش. ولم يُتنبه لهذه الإشارة في الطبعتين فأثبتوها.
  2. (٢) سقطت من ط. الفقي.
336

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي