تهذيب السنن

مضمر، كما قال: «فلبّي يَدَي مِسْور».

وقالت طائفة من النحاة: أصلُ الكلمة لبًّا لبًّا، أي إجابة بعد إجابة، فثقل عليهم تكرار الكلمة، فجمعوا بين اللفظين ليكون أخفَّ عليهم، فجاءت التثنيةُ وحُذِف التنوين لأجل الإضافة.

وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة:

إحداها: أن قولك «لبيك» يتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغةٍ ولا عقل إجابةُ مَن لا يتكلَّم ولا يدعو١.

الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولا يقال «لبيك» إلا لمن تحبُّه وتعظِّمُه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجِهٌ لك بما تحبّ، وأنها من قولهم: امرأة لَبَّة، أي مُحِبّة لولدها.

الثالثة: أنها تتضمّن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل: هي من الإقامة، أي: أنا مقيم على طاعتك.

الرابعة: أنها تتضمن الخضوعَ والذُّلَّ، [ق ٦٥] أي خضوعًا لك٢ بعد خضوع، من قولهم. أنا مُلِبّ بين يديك، أي خاضع ذليل.

الخامسة: أنها تتضمّن الإخلاص، ولهذا قيل: إنها من اللُّبّ، وهو الخالص.

  1. (١) بعده في الأصل: «من أجابه» ثم ضبّب على الكلمتين ووضع فوق الضبة ميمًا صغيرة «ضـ م» والظاهر أنه إشارة إلى حذفها لأن المعنى تام بدونها، وكذلك لم يكتبها في ش. ولم يُتنبه لهذه الإشارة في الطبعتين فأثبتوها.
  2. (٢) سقطت من ط. الفقي.
336

السادسة: أنها تتضمّن الإقرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل أن يقول الرجل «لبيك» لمن لا يسمع دعاءه.

السابعة١: أنها تتضمّن التقرُّب من الله، ولهذا قيل: من الإلباب، وهو التقرُّب.

الثامنة: أنها جُعِلَت في الإحرام شعار الانتقال٢ من حال إلى حال، ومن مَنْسك إلى مَنْسك، كما جُعل التكبير في الصلاة شعار الانتقال٣ من ركن إلى ركن، ولهذا٤ السنةُ أن يُلَبِّي حتى يَشْرَع في الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها، فالتلبية شعار الحجِّ والتنقُّل في أعمال المناسك، فالحاجُّ كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: «لبيك اللهم لبيك» كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: «الله أكبر»، فإذا حلّ من نُسُكه قطعها، كما يكون سلام المصلي قاطعًا لتكبيره.

التاسعة: أنها شعار التوحيد وملّة إبراهيم، الذي هو روح الحجِّ ومقصده، بل روح العبادات كلها والمقصود منها. ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يُدْخَل فيها بها.

العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يُدخَل منه إليه،

  1. (١) الأصل و(ش، هـ): «السابع» سهو.
  2. (٢) في الطبعتين: «شعارًا لانتقال» والمثبت من الأصل أصح.
  3. (٣) ط. المعارف: «شعارًا لانتقال» مخالف للأصل، وتحرفت في ط. الفقي إلى: «سبعًا، للانتقال»!
  4. (٤) زاد في ط. الفقي: «كانت» والعبارة مستقيمة بدونها.
337

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي