الحادية عشر: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو مِن أحبِّ ما يَتَقرَّب به العبدُ إلى الله، وأول من يُدعَى إلى الجنة أهلُه، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.
الثانية عشر: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها، ولهذا عرَّفها باللام المفيدة للاستغراق، أي النعم كلها لك ومنك١، وأنتَ موليها٢ والمُنْعِم بها.
الثالثة عشر: أنها مشتملة على الاعتراف بأن المُلْك كلَّه لله وحده، فلا مُلك على الحقيقة لغيره.
الرابعة عشر: أن هذا المعنى مؤكَّد الثبوت بـ «إنَّ» المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته، وأنه مما لا يدخله ريبٌ ولا شكّ.
الخامسة عشر: في «أنّ» وجهان: فتحها وكسرها، فمن فتحها تضمَّنت معنى التعليل، أي لبيك لأنّ الحمدَ والنعمةَ لك. ومَن كسرها كانت جملةً مستقلّةً مستأنَفَةً، تتضمن ابتداءَ الثناء على الله، والثناءُ إذا كَثُرت جُمَلُه وتعدَّدَت كان أحسن من قِلّتها، وأما إذا فُتِحت فإنها تُقدَّر بلام التعليل المحذوفة معها قياسًا، والمعنى: لبيك لأن الحمد لك، والفرق٣ بين أن تكون جُمَل الثناء علةً لغيرها وبين أن تكون مستقلةً مرادة لنفسها، ولهذا قال
(١) سقطت من ط. الفقي.
(٢) ط. المعارف: «مولاها»!
(٣) كذا في الأصول، ولعلها: «وفرقٌ».
ثعلب١: من قال «إن» بالكسر فقد عمّ، ومَن قال: «أن» بالفتح فقد خصّ.
ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾[الطور: ٢٨] بكسر «إن» وفتحها. فمَن فتَحَ كان المعنى: «ندعوه لأنه هو البَرُّ الرحيم»، ومَن كَسَر كان الكلام جملتين، إحداهما قولهم: «ندعوه»، ثم استأنف فقال: «إنه هو البر الرحيم»، قال أبو عبيد٢: والكسر أحسن، ورجَّحَه بما ذكرناه.
السادسة عشر: أنها متضمِّنة للإخبار عن اجتماع المُلْك والنعمة والحمد لله ﷿، وهذا نوعٌ آخر مِن الثناء عليه، غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العَليَّة، فله٣ سبحانه من أوصافه العُلى نوعا ثناءٍ: نوعٌ متعلِّق بكلّ صِفَةٍ صِفَةٍ٤ على انفرادها، ونوعٌ متعلِّق باجتماعها، وهو كمالٌ مع كمال، وهو غاية الكمال، والله سبحانه يَقْرِن في صفاته بين المُلك والحمد، ويُنَوِّع هذا المعنى إذ٥ اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال؛ فالملك وحدَه كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال، فإذا اجتمع المُلك المتضمِّن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع والإحسان والرحمة، مع
(١) ذكر قولَه الخطابي في «غريب الحديث»: (٣/ ٢٤٦)، وعياض في «المشارق»: (١/ ٤٣).