تهذيب السنن

الحَمْد المتضمِّن لغاية الجلال والإكرام الداعي إلى محبَّته= كان في ذلك من العَظَمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله، وكان في ذِكْر الحَمْد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه، والتوجُّه بدواعي المحبَّة كلها إليه= ما هو مقصود العبودية ولُبّها. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ونظير هذا: اقتران الغِنَى بالكرم، كقوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠] فله كمالٌ مِن غناه وكرمه، ومنِ اقتران أحدهما بالآخر.

ونظيره اقتران العِزّة بالرحمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٩]. ونظيره اقتران العفو بالقدرة: ﴿فَإِنَّ١ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]. ونظيره اقتران العِلْم بالحلم: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء:١٢]. ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:٧]. وهذا يُطْلِع ذا اللبِّ على رياضٍ من العلم أنيقات، ويفتح له بابَ محبَّةِ الله ومعرفته، والله المستعان وعليه التكلان.

السابعة عشر: أن النبي ﷺ قال: «أفضل ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»٢ وقد اشتملت التلبيةُ على هذه الكلمات بعينها، وتضمَّنت معانيها،

  1. (١) وقع في الأصل و(ش، هـ): «وكان الله عفوًّا ...» وهم.
  2. (٢) أخرجه الترمذي (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده به. قال الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد ... ليس بالقوي عند أهل الحديث». وأخرجه مالك (٥٧٢، ١٢٧٠)، ومن طريقه البيهقي: (٤/ ٢٨٤، ٥/ ١١٧) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن النبي ﷺ، قال البيهقي: هذا مرسل، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصّلًا ووصله ضعيف.
340

وقوله: «وهو على كل شيء قدير»، لك أن تُدخلها تحت قولك في التلبية: «لا شريك لك»، ولك أن تُدخلها تحت قولك: «إن الحمد١ لك». ولك أن تُدخلها تحت إثبات الملك له تعالى، [ق ٦٦] إذ لو كان بعض الموجودات خارجًا عن قُدْرته ومُلكه، واقعًا بخلق غيره، لم يكن نفي الشريك عامًّا، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عامًّا، وهذا من أعظم المحال، والمُلك كلُّه له، والحمد كلُّه له، وليس له شريك بوجه من الوجوه.

الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمِّنة للردِّ على كلِّ مُبطِل في صفات الله وتوحيده؛ فإنها مُبْطِلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطِّلين لصفات الكمال التي هي مُتعَلَّق الحمدِ، فهو سبحانه محمودٌ لذاته ولصفاته ولأفعاله، فمَن جَحَد صفاته وأفعاله فقد جَحَد حَمْدَه.

ومُبْطِلةٌ لقول مجوس الأمة من٢ القدَرِيَّة الذين أخرجوا عن ملكِ الرب وقدرتِه أفعالَ عبادِه من الملائكة والجن والإنس، فلم يُثبِتوا له عليها قدرةً، ولا جعلوه خالقًا لها. فعلى قولهم لا تكون داخلةً تحت مُلكه، إذ مَنْ لا قدرةَ له على الشيء كيف يكون٣ داخلًا تحت ملكه؟ فلم يجعلوا الملكَ كلَّه لله، ولم يجعلوه على كلِّ شيء قدير.

  1. (١) ط. الفقي زاد: «والنعمة» وليست في الأصل.
  2. (٢) سقطت من ط. الفقي.
  3. (٣) ط. الفقي: «يكون هذا الشيء» وهو إقحام لا موجب له!
341

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي