تهذيب السنن

وقوله: «وهو على كل شيء قدير»، لك أن تُدخلها تحت قولك في التلبية: «لا شريك لك»، ولك أن تُدخلها تحت قولك: «إن الحمد١ لك». ولك أن تُدخلها تحت إثبات الملك له تعالى، [ق ٦٦] إذ لو كان بعض الموجودات خارجًا عن قُدْرته ومُلكه، واقعًا بخلق غيره، لم يكن نفي الشريك عامًّا، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عامًّا، وهذا من أعظم المحال، والمُلك كلُّه له، والحمد كلُّه له، وليس له شريك بوجه من الوجوه.

الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمِّنة للردِّ على كلِّ مُبطِل في صفات الله وتوحيده؛ فإنها مُبْطِلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطِّلين لصفات الكمال التي هي مُتعَلَّق الحمدِ، فهو سبحانه محمودٌ لذاته ولصفاته ولأفعاله، فمَن جَحَد صفاته وأفعاله فقد جَحَد حَمْدَه.

ومُبْطِلةٌ لقول مجوس الأمة من٢ القدَرِيَّة الذين أخرجوا عن ملكِ الرب وقدرتِه أفعالَ عبادِه من الملائكة والجن والإنس، فلم يُثبِتوا له عليها قدرةً، ولا جعلوه خالقًا لها. فعلى قولهم لا تكون داخلةً تحت مُلكه، إذ مَنْ لا قدرةَ له على الشيء كيف يكون٣ داخلًا تحت ملكه؟ فلم يجعلوا الملكَ كلَّه لله، ولم يجعلوه على كلِّ شيء قدير.

  1. (١) ط. الفقي زاد: «والنعمة» وليست في الأصل.
  2. (٢) سقطت من ط. الفقي.
  3. (٣) ط. الفقي: «يكون هذا الشيء» وهو إقحام لا موجب له!
341

وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيءٍ البتة. فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها بايَنَ جميعَ الطوائف المبطلة١.

التاسعة عشر: في عطف المُلك على الحمد والنعمة بعد كمال الخَبَر، وهو قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك» ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك= لطيفة بديعة، وهي: أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلّتين، فإنه لو قال: «إن الحمد والنعمة والملك لك» كان عطفُ الملكِ على ما قبله عطفَ مفردٍ على مفردٍ، فلما تمَّت الجملةُ الأولى بقوله «لك» ثم عَطَف الملكَ، كان تقديره: والملك لك. فيكون مساويًا لقوله: «له الملك وله الحمد»، ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الجُمَل٢ في الثناء.

العشرون: لمَّا عَطَف النعمةَ على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر، كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرينان.

الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة، وهو٣: أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله «لبيك»، ثم أعادها عقب قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك لا شريكَ لك». وذلك يتضمَّن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمَّن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

  1. (١) هكذا استظهرتها في الأصل و(ش)، وفي الطبعتين: «المعطلة».
  2. (٢) ط. الفقي: «الحمد».
  3. (٣) ط. الفقي: «وهي».
342

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي