وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيءٍ البتة. فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها بايَنَ جميعَ الطوائف المبطلة١.
التاسعة عشر: في عطف المُلك على الحمد والنعمة بعد كمال الخَبَر، وهو قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك» ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك= لطيفة بديعة، وهي: أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلّتين، فإنه لو قال: «إن الحمد والنعمة والملك لك» كان عطفُ الملكِ على ما قبله عطفَ مفردٍ على مفردٍ، فلما تمَّت الجملةُ الأولى بقوله «لك» ثم عَطَف الملكَ، كان تقديره: والملك لك. فيكون مساويًا لقوله: «له الملك وله الحمد»، ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الجُمَل٢ في الثناء.
العشرون: لمَّا عَطَف النعمةَ على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر، كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرينان.
الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة، وهو٣: أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله «لبيك»، ثم أعادها عقب قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك لا شريكَ لك». وذلك يتضمَّن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمَّن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
(١) هكذا استظهرتها في الأصل و(ش)، وفي الطبعتين: «المعطلة».
(٢) ط. الفقي: «الحمد».
(٣) ط. الفقي: «وهي».
وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] فأخبر بأنه «لا إله إلا هو» في أول الآية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل، فأعاد الشهادةَ بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط.
٩ - باب ما يلبسُ المُحْرِم
١١٤/ ١٧٤٩ - عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجلٌ رسولَ الله ﷺ: ما يتركُ المحرمُ من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميصَ، ولا البُرْنُسَ، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبًا مَسَّهُ وَرْسٌ ولا زَعْفران، ولا الخُفَّين، إلا أن لا يجد النعلَين، فمَنْ لم يجد النعلين فليلبَسِ الخُفَّين، وليقْطَعْهما حتى يكونا أسفلَ مِن الكعبين».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه١.
قال ابن القيم ﵀: حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة:
الحكم الأول: أنه ﷺ سُئل عما يُلْبَس٢ وهو غير محصور، فأجاب بما لا يُلْبَس لحصره. فعُلِم أن غيرَه على الإباحة، ونبَّه بالقميص على ما فُصِّل للبدن كلِّه، مِن جُبّة أو دَلَق٣ أو درَّاعة أو عَرَقْشِين٤ ونحوه. ونبَّه بالعمامة
(١) أخرجه أبو داود (١٨٢٣)، والبخاري (٣٦٦)، ومسلم (١١٧٧)، والنسائي (٢٦٦٧). ولفظ أبي داود: «ما يترك المحرم ...»، ولفظ الصحيحين: «ما يلبس المحرم ...».
(٢) زاد في ط. الفقي: «المحرم» ولا وجود لها في الأصل وش.
(٣) نوع من الرداء طويل مؤلف من خرق الجوخ من ملابس القضاة والصوفية. ينظر «قاموس الملابس» (ص ١٥٠ - ١٥٢)، و«تكملة المعاجم»: (٤/ ٣٩٧) كلاهما لدوزي. و«مسالك الأبصار»: (٤/ ٤٤٩).
(٤) ويقال: عرقـچـين، وهي نوع من اللباس يستعمل لامتصاص العرق، وهي كلمة فارسية مركبة من كلمتين «عَرَق چين»، ينظر «المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص ٣٢٤).