تهذيب السنن

وقال الدارقطني١: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل، لأنه قال: نادى رجلٌ رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد» فذَكَره، وابنُ عباس يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطب بعرفات.

فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوبُ والثوريُّ وابنُ عيينة وحماد بن زيد وابن جُرَيج وهُشَيم، كلُّهم عن عَمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يقل أحدٌ منهم «بعرفات» غيرُ شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.

قيل: هذا عَنَت٢، فإن هذه اللفظة متفق عليها في «الصحيحين»، وناهيك برواية شعبةَ لها، وشعبةُ حفِظَها وغيرُه لم يَنْفِها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلّة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يُقْبَل ولا يُردّ، ولهذا رواها الشيخان. وقد قال عليٌّ ﵁: «قَطْع الخُفّين فسادٌ، يلبسهما كما هما»٣. وهذا مقتضى القياس، فإن النبيَّ ﷺ سوَّى بين السراويل وبين الخفّ في لُبس كلٍّ منهما عند عدم الإزار والنّعْل، ولم يأمر بفتق السراويل، لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما. ولهذا كان مذهب الأكثرين: أنه يلبس السراويل بلا فَتْق عند

  1. (١) في «السنن» عقب حديث (٢٤٧١).
  2. (٢) ط. الفقي: «عَبَث».
  3. (٣) ذكره في «المغني»: (٥/ ١٢٠)، وعنه في كتب المذهب، والأثر نسبه أبو يعلى في «التعليقة»: (١/ ٣٤٧) وشيخ الإسلام في «شرح العمدة»: (٤/ ٤٧٧) إلى رواية أبي طالب عن الإمام أحمد. ورواه بنحوه ابن أبي شيبة (١٤٨٥٨) عن عكرمة، وابن عبد البر في «الاستذكار»: (١١/ ٣٢) عن عطاء.
348

عدم الإزار، فكذلك الخُفّ يُلْبَس بلا قطعٍ، ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة١ طَرَد القياسَ وقال: تُفْتَق السراويل، حتى تصير كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص، لأن النبي ﷺ قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار»٢ وإذا فُتِق لم يبق سراويل. ومَن اشترط قطعَ الخُفّ خالفَ القياس مع مخالفته النصَّ المطلق بالجواز. ولا يسلم مِن مخالفة النصِّ والقياس إلا مَن جوَّز لُبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النصّ فما تقدم تقريرُه٣. والعجبُ أن مَن يوجب القطعَ يوجبُ ما لا فائدةَ فيه، فإنهم لا يجَوِّزون لُبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لُبسه.

فأيُّ معنًى للقطع والمقطوعُ عندكم كالصحيح؟!

وأما أبو حنيفة٤ ﵀ فيجوِّز لبس المقطوع، وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما.

قال شيخنا٥: وأفتى به جدِّي أبو البركات في آخر عمره [ق ٦٨] لمّا حجَّ. قال شيخنا: وهو الصحيح، لأن المقطوع لُبسه أصلٌ لا بَدَل.

قال شيخنا٦: فأبو حنيفة ﵀ فهم من حديث ابن عمر أن المقطوعَ

  1. (١) ينظر: «بدائع الصنائع»: (٢/ ١٨٨)، وهو مذهب المالكية أيضًا كما في «التمهيد»: (١٥/ ١١٢).
  2. (٢) في حديث ابن عباس، وقد تقدم تخريجه.
  3. (٣) في الطبعتين: «تقديره».
  4. (٤) ينظر: «بدائع الصنائع»: (٢/ ١٨٤).
  5. (٥) أي ابن تيمية، ينظر: «مجموع الفتاوى»: (٢١/ ١٩٦).
  6. (٦) ينظر المصدر نفسه.
349

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي