تهذيب السنن

عدم الإزار، فكذلك الخُفّ يُلْبَس بلا قطعٍ، ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة١ طَرَد القياسَ وقال: تُفْتَق السراويل، حتى تصير كالإزار، والجمهور قالوا: هذا خلاف النص، لأن النبي ﷺ قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار»٢ وإذا فُتِق لم يبق سراويل. ومَن اشترط قطعَ الخُفّ خالفَ القياس مع مخالفته النصَّ المطلق بالجواز. ولا يسلم مِن مخالفة النصِّ والقياس إلا مَن جوَّز لُبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النصّ فما تقدم تقريرُه٣. والعجبُ أن مَن يوجب القطعَ يوجبُ ما لا فائدةَ فيه، فإنهم لا يجَوِّزون لُبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لُبسه.

فأيُّ معنًى للقطع والمقطوعُ عندكم كالصحيح؟!

وأما أبو حنيفة٤ ﵀ فيجوِّز لبس المقطوع، وليس عنده كالصحيح، وكذلك المداس والجمجم ونحوهما.

قال شيخنا٥: وأفتى به جدِّي أبو البركات في آخر عمره [ق ٦٨] لمّا حجَّ. قال شيخنا: وهو الصحيح، لأن المقطوع لُبسه أصلٌ لا بَدَل.

قال شيخنا٦: فأبو حنيفة ﵀ فهم من حديث ابن عمر أن المقطوعَ

  1. (١) ينظر: «بدائع الصنائع»: (٢/ ١٨٨)، وهو مذهب المالكية أيضًا كما في «التمهيد»: (١٥/ ١١٢).
  2. (٢) في حديث ابن عباس، وقد تقدم تخريجه.
  3. (٣) في الطبعتين: «تقديره».
  4. (٤) ينظر: «بدائع الصنائع»: (٢/ ١٨٤).
  5. (٥) أي ابن تيمية، ينظر: «مجموع الفتاوى»: (٢١/ ١٩٦).
  6. (٦) ينظر المصدر نفسه.
349

لبسه أصلٌ لا بَدَل، فجَوَّز لبسه مطلقًا، وهذا فهمٌ صحيح، وقولُه في هذا أصحّ من قول الثلاثة. والثلاثةُ فهموا منه الرخصة في لُبس السراويل عند عدم الإزار والخفِّ عند عدم النعل، وهذا فهمٌ صحيح، وقولهم في هذا أصح من قوله.

وأحمدُ فهم من النص المتأخر لبس الخفِّ صحيحًا بلا قطع عند عدم النعل، وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع، وهذا فهم صحيح، وقوله في ذلك أصح الأقوال.

فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلًا، لم يكن عدم النعل شرطًا فيه، والنبيُّ ﷺ إنما جعله عند عدم النعل.

قيل: بل الحديث دليلٌ على أنه ليس كالخفّ، إذ لو كان كالخُفّ لما أمر بقطعه، فدلَّ على أنه بقطعه يخرج عن شَبَه الخفِّ، ويلتحق بالنعل.

وأما جَعْله عدم النعل شرطًا فلأجل أن القطعَ إفساد لصورته ومالِيَّته، وهذا لا يُصارُ إليه إلا عند عدم النعل، وأما مع وجود النعل فلا يُفْسِدُ الخفَّ ويُعْدِم مالِيّته، فإذا تبيَّن هذا تبين أن المقطوع ملحقٌ بالنعل لا بالخُفّ، كما قال أبو حنيفة، وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه، فإنهم لا يجوِّزون لبس المقطوع، وهو عندهم كالخفِّ.

فإن قيل: فغايةُ ما يدلُّ عليه الحديث جوازُ الانتقال إلى الخفّ والسراويل عند عدم النعل والإزار، وهذا يفيد الجواز، وأما سقوط الفدية فلا، فهلَّا قلتم كما قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية؟ فاستفادَ الجوازَ من هذا الحديث، واستفادَ الفديةَ من حديث كعب بن عُجْرة، حيث جوَّز له

350

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي