تهذيب السنن

وإنما مُنِعَت المرأةُ مِن البرقع والنقاب ونحوهما مما يُعَدّ لستر الوجه، قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها مِن فوق، وليس لها أن ترفع الثوبَ مِن أسفل. كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. تم كلامه.

فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المرويِّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها»١ فجعَلَ وجهَ المرأة كرأس الرجل، وهذا يدلُّ على وجوب كشفه؟

قيل: هذا الحديث لا أصل له، ولم يروه أحدٌ مِن أصحاب الكتب المعتمد عليها، ولا يُعْرَف له إسناد، فلا تقوم به حُجّة٢، ولا يُتْرَك له الحديثُ الصحيحُ الدالُّ على أن وجهها كبدنها، وأنه يحرم عليها فيه ما أُعِدّ للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه، لا مطلق الستر كاليدين. والله أعلم.

  1. (١) لم أجده مرفوعًا بهذا اللفظ، وأخرجه الدارقطني (٢٧٦١)، ومن طريقه البيهقي (٥/ ٤٧)، وأخرجه العقيلي: (١/ ١١٦) من طريق هشام بن حسان، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. قال البيهقي: هكذا رواه الدراوردي وغيره موقوفًا على ابن عمر.
    أما المرفوع فأخرجه الدارقطني (٢٧٦٠)، وابن عدي: (١/ ٣٥٧)، ومن طريقه البيهقي: (٥/ ٤٧) من طريق أيوب بن محمد أبو الجمل، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: «ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها».
    قال ابن عدي: لا أعلمه يرفعه عن عبيد الله غير أبي الجمل هذا. قال البيهقي: «وأيوب بن محمد أبو الجمل ضعيف عند أهل العلم بالحديث، فقد ضعفه يحيى بن معين وغيره، وقد رُوي هذا الحديث من وجه آخر مجهول عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا والمحفوظ موقوف». وانظر «علل الدارقطني» (٢٩٣٨)، و«نصب الراية»: (٣/ ٩٣)، و«البدر المنير»: (٦/ ٣٢٩ - ٣٣١).
  2. (٢) ينظر «مجموع الفتاوى»: (٢٦/ ١١٢).
354

١١٥/ ١٧٥٠ - وعن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمعناه، زاد: «ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ الحرام، ولا تلبسُ القُفَّازَين».

وأخرجه البخاريُّ والترمذي والنسائي١.

هذا مستثنى من تضييع المال، وكل إتلاف وباب المصلحة فليس بتضييع وليس في أوامر الشريعة إلا الاتباع. وقال عطاء: لا يقطعهما فإن في قطعهما فسادًا .... أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر. وقال الشافعي: أرى أن يقطعهما لأن ذلك في حديث ابن عمر وإن لم يكن في حديث ابن عباس، وكلاهما صادق حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يروه الآخر إما غير رغبة وإما شك فيه فلم يؤدّه، وإما سكت عنه وإما أدّاه فلم يُؤدَّ عنه لبعض هذه المعاني إطلاقًا.

والقفّاز بالضم والتشديد شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن يُغطّي الأصابع والكف والساعد من البرد، يُحْشى بقطن ويكون له أزرار تُزَرّ على الساعدين. وقيل: هو ضربٌ من الحليّ ... المرأة لديها.

وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا شيء على المرأة في لباسه، وعللوا حديثَ ابن عمر بأن ذكر القفّازين إنما هو قول ابن عمر ليس عن النبي ﷺ، وعَلَّق الشافعيُّ القولَ في ذلك٢.

قال ابن القيم ﵀: تحريم لبس القُفَّازَين قول عبد الله بن عمر وعطاء

  1. (١) أخرجه أبو داود (١٨٢٥)، والبخاري (١٨٣٨)، والترمذي (٨٤٨)، والنسائي (٢٦٧٣).
  2. (٢) تعليق المنذري من قوله: «هذا مستثنى ...» إلى هنا، ساقط من مطبوعة «المختصر» وهوفي المخطوط (ق ٥٤ ب) في طرتها. وقد أشار إليه المجرِّد وأن ابن القيم ساقه إلى قوله: «وعلق الشافعي القولَ في ذلك». وتصحفت في ط. المعارف «علق» إلى «على»!
355

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي