قال البيهقي١: وروى يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عَمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أن الصعبَ بن جَثَّامة أهدى للنبيِّ ﷺ عجز حمار وهو بالجُحْفة، فأكل منه وأكل القوم». قال: وهذا إسناد صحيح، فإن كان محفوظًا فكأنه ردَّ الحيَّ وقبل اللحمَ، تم كلامه.
وقد اختلف الناسُ قديمًا وحديثًا في هذه المسألة، وأشكلت عليهم الأحاديثَ فيها، فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكلَ ما صادَه الحلال من الصيد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفَّان والزبير بن العوَّام وأبي هريرة، ذَكَر ذلك ابنُ عبد البر٢ عنهم.
وحُجَّتهم: حديث أبي قتادة المتقدِّم، وحديث طلحة بن عُبيد الله، وحديث البَهْزيّ.
وقالت طائفة: لحم الصيد حرامٌ على المحرم بكلِّ حال، وهذا قول عليّ وابن عباس وابن عمر. قال ابن عباس: «﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾[المائدة: ٩٦] هي مبهمة». ورُوي عن طاوس وجابر بن زيد وسفيان الثوري المنع منه٣. وحجة هذا المذهب: حديث ابن عباس عن الصّعْب بن جَثَّامة٤، وحديث عليّ في أول الباب٥، واحتجّوا بظاهر الآية، وقالوا: تحريم الصيد يعمّ
(١) في «السنن الكبرى»: (٥/ ١٩٣).
(٢) في «التمهيد»: (٢١/ ١٥٢ - ١٥٣).
(٣) ينظر «التمهيد»: (٩/ ٦٠ - ٦١).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) أخرجه أبو داود (١٨٤٩)، وأحمد (٧٨٣).
اصطياده وأكله.
وقالت طائفة: ما صاده الحلالُ للمحرِمِ ومِن أجله، فلا يجوز له أكله، [و]١ ما لم يَصِدْه من أجله، بل صاده لنفسه أو لحلال، لم يَحْرُم على المُحْرِم أكلُه، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم، وقول إسحاق وأبي ثور٢. قال ابن عبد البر٣: وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب.
قال: وحجة من ذهب هذا المذهب: أنه عليه تصحّ الأحاديث في هذا الباب، وإذا حُمِلت على ذلك لم تتضادّ ولم تختلف ولم تتدافع، وعلى هذا [ق ٧١] يجب أن تُحْمَل السنن ولا يُعارَض بعضُها ببعض ما وُجِد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه.
وآثار الصحابة كلُّها في هذا الباب إنما تدلُّ على هذا التفصيل؛ فروى البيهقيُّ٤ من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ عثمانَ بن عفان بالعَرْج في يوم صائف وهو محرم، وقد غطَّى وجهَه بقطيفةِ أرجوان، ثم أُتيَ بلحمِ صيدٍ، فقال لأصحابه: كلوا، قالوا: ألا تأكل أنتَ؟ قال: إني لست كهيئتكم، إنما صِيْدَ من أجلي».
وحديث أبي قتادة والبَهْزيّ وطلحة بن عُبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها، وهي تدلّ على جواز أكل المحرم من صيد الحلال، وحديثُ
(١) زيادة يستقيم بها السياق، وأصلحها في ط. الفقي: «فأما ما لم».