وقالت طائفة: ما صاده الحلالُ للمحرِمِ ومِن أجله، فلا يجوز له أكله، [و]١ ما لم يَصِدْه من أجله، بل صاده لنفسه أو لحلال، لم يَحْرُم على المُحْرِم أكلُه، وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم، وقول إسحاق وأبي ثور٢. قال ابن عبد البر٣: وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب.
قال: وحجة من ذهب هذا المذهب: أنه عليه تصحّ الأحاديث في هذا الباب، وإذا حُمِلت على ذلك لم تتضادّ ولم تختلف ولم تتدافع، وعلى هذا [ق ٧١] يجب أن تُحْمَل السنن ولا يُعارَض بعضُها ببعض ما وُجِد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه.
وآثار الصحابة كلُّها في هذا الباب إنما تدلُّ على هذا التفصيل؛ فروى البيهقيُّ٤ من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ عثمانَ بن عفان بالعَرْج في يوم صائف وهو محرم، وقد غطَّى وجهَه بقطيفةِ أرجوان، ثم أُتيَ بلحمِ صيدٍ، فقال لأصحابه: كلوا، قالوا: ألا تأكل أنتَ؟ قال: إني لست كهيئتكم، إنما صِيْدَ من أجلي».
وحديث أبي قتادة والبَهْزيّ وطلحة بن عُبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها، وهي تدلّ على جواز أكل المحرم من صيد الحلال، وحديثُ
(١) زيادة يستقيم بها السياق، وأصلحها في ط. الفقي: «فأما ما لم».
(٤) في «الكبرى»: (٥/ ١٩١)، وأخرجه مالك في «الموطأ» (١٠١٦).
الصّعْب بن جَثَّامة يدلّ على منعه منه، وحديث جابر صريح في التفريق. فحيثُ أكَلَ عُلِم أنه لم يُصَد لأجله، وحيثُ امتنَع عُلِم أنه صيدَ لأجله، فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدلُّ على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال.
وكذلك امتناع عليٍّ مِن أكلِه لعله ظنَّ أنه صِيْد لأجله، وإباحة النبي ﷺ لأصحابه حمارَ البهزيِّ، ومنعهم من التعرُّض للظبي١، لأن الحمار كان عقيرًا في حدِّ الموت، وأما الظبي فكان سالمًا لم يسقط إلى الأرض، فلم يتعرَّض له لأنه حيوانٌ حيٌّ. والله أعلم.
١٢ - بابُ الإحْصَارِ
١١٨/ ١٧٨٤ - وعن أبي حاضِرٍ الحِمْيري ــ وهو عثمان بن حاضر ــ قال: «خرجت مُعْتَمِرًا، عام حاصَر أهلُ الشام ابنَ الزُّبير بمكّةَ، وبعثَ معي رجالٌ من قومي بهَدْي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخلَ الحرمَ، فنحرتُ الهَدْيَ مكاني، ثم أحللتُ، ثم رجعتُ، فلما كان من العام المقبل خرجتُ لأقضيَ عُمرتي، فأتيتُ ابنَ عباس، فسألته؟ فقال: أبْدِلَ الهديَ، فإنّ رسولَ الله ﷺ أمرَ أصحابَه أن يُبْدِلوا الهديَ الذي نحروا عامَ الحديبية في عمرةِ القضاء»٢.
في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدَّم الكلامُ عليه. وقال البيهقي: ولعله إن
(١) في الطبعتين زيادة: «الحاقف» ولا وجود لها في الأصل و(ش، هـ).
(٢) أخرجه أبو داود (١٨٦٤)، والحاكم: (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦) وقال: صحيح الإسناد. والضياء في «المختارة»: (١١/ ١٨٦) من طريق محمد بن إسحاق عن عَمرو بن ميمون عن أبي حاضر به. ومحمد بن إسحاق متكلم فيه، وهو مدلس وقد عنعن، فالإسناد ضعيف.