الصّعْب بن جَثَّامة يدلّ على منعه منه، وحديث جابر صريح في التفريق. فحيثُ أكَلَ عُلِم أنه لم يُصَد لأجله، وحيثُ امتنَع عُلِم أنه صيدَ لأجله، فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدلُّ على الأمرين، فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال.
وكذلك امتناع عليٍّ مِن أكلِه لعله ظنَّ أنه صِيْد لأجله، وإباحة النبي ﷺ لأصحابه حمارَ البهزيِّ، ومنعهم من التعرُّض للظبي١، لأن الحمار كان عقيرًا في حدِّ الموت، وأما الظبي فكان سالمًا لم يسقط إلى الأرض، فلم يتعرَّض له لأنه حيوانٌ حيٌّ. والله أعلم.
١٢ - بابُ الإحْصَارِ
١١٨/ ١٧٨٤ - وعن أبي حاضِرٍ الحِمْيري ــ وهو عثمان بن حاضر ــ قال: «خرجت مُعْتَمِرًا، عام حاصَر أهلُ الشام ابنَ الزُّبير بمكّةَ، وبعثَ معي رجالٌ من قومي بهَدْي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخلَ الحرمَ، فنحرتُ الهَدْيَ مكاني، ثم أحللتُ، ثم رجعتُ، فلما كان من العام المقبل خرجتُ لأقضيَ عُمرتي، فأتيتُ ابنَ عباس، فسألته؟ فقال: أبْدِلَ الهديَ، فإنّ رسولَ الله ﷺ أمرَ أصحابَه أن يُبْدِلوا الهديَ الذي نحروا عامَ الحديبية في عمرةِ القضاء»٢.
في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدَّم الكلامُ عليه. وقال البيهقي: ولعله إن
(١) في الطبعتين زيادة: «الحاقف» ولا وجود لها في الأصل و(ش، هـ).
(٢) أخرجه أبو داود (١٨٦٤)، والحاكم: (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦) وقال: صحيح الإسناد. والضياء في «المختارة»: (١١/ ١٨٦) من طريق محمد بن إسحاق عن عَمرو بن ميمون عن أبي حاضر به. ومحمد بن إسحاق متكلم فيه، وهو مدلس وقد عنعن، فالإسناد ضعيف.
صحّ الحديثُ استحبّ الإبدال وإن لم يكن واجبًا، كما استحبّ الإتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصر عنه واجبًا بالتحلُّل. والله أعلم.
وإن صحَّ حديثُ الحجَّاج بن عَمرو فقد حَمَله بعضُ أهل العلم أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به من يفوته الحجُّ بغير مَرَض، فقد رُوِّينا عن ابن عباس ثابتًا عنه أنه قال: «لا حَصْر إلا حَصْر عدوٍّ». تم كلامه.
وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عَمرو أن تحلله بالكَسْر والعَرَج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام، على معنى حديث ضُباعة. قالوا: ولو كان الكسرُ مبيحًا للحلِّ، لم يكن للاشتراط معنى. قالوا: وأيضًا فلا يقول أحدٌ بظاهر هذا الحديث، فإنه لا يحلِّ بمجرَّد الكَسْر والعَرَج، فلا بد من تأويله، فيحمله على ما ذكرناه. قالوا: وأيضًا فإنه لا يستفيد بالحلّ زوال عذره، ولا الانتقال من حاله، بخلاف المحصر بالعدو. وقوله: «وعليه الحجُّ مِن قابل» هذا إذا لم يكن حجَّ الفرضَ، فأما إن كان متطوِّعًا، فلا شيء عليه غير هَدْي الإحصار. قال البيهقي١: وحديث الحجَّاج بن عَمرو قد اختلف في إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه، وأنه لا حصر إلا حصر العدوّ. تم كلامه٢.
قال ابن القيم ﵀: اختلف العلماء من الصحابة فمَن بعدَهم فيمن مُنِعَ من الوصول إلى البيت بمرض أو كَسْر أو عَرَج هل حكمه حكم المحْصَر
(١) في «السنن الكبرى»: (٥/ ٢٢٠).
(٢) هذا التعليق بطوله من قوله: «وإن صح حديث الحجاج» إلى هنا للمنذري مع تصرُّف لابن القيم فيه، وهو في (خ- المختصر) (ق ٥٨ ب) في طرتها، وسقط من طبعة «المختصر»، وقد ساق منه المجرِّد إلى آخر كلام البيهقي، وظنه الفقي في طبعته للمؤلف فنسبه إليه. وكلام البيهقي في «الكبرى»: (٥/ ٢٢٠)، وفي «المعرفة»: (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦).