تهذيب السنن

صحّ الحديثُ استحبّ الإبدال وإن لم يكن واجبًا، كما استحبّ الإتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصر عنه واجبًا بالتحلُّل. والله أعلم.

وإن صحَّ حديثُ الحجَّاج بن عَمرو فقد حَمَله بعضُ أهل العلم أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به من يفوته الحجُّ بغير مَرَض، فقد رُوِّينا عن ابن عباس ثابتًا عنه أنه قال: «لا حَصْر إلا حَصْر عدوٍّ». تم كلامه.

وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عَمرو أن تحلله بالكَسْر والعَرَج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام، على معنى حديث ضُباعة. قالوا: ولو كان الكسرُ مبيحًا للحلِّ، لم يكن للاشتراط معنى. قالوا: وأيضًا فلا يقول أحدٌ بظاهر هذا الحديث، فإنه لا يحلِّ بمجرَّد الكَسْر والعَرَج، فلا بد من تأويله، فيحمله على ما ذكرناه. قالوا: وأيضًا فإنه لا يستفيد بالحلّ زوال عذره، ولا الانتقال من حاله، بخلاف المحصر بالعدو. وقوله: «وعليه الحجُّ مِن قابل» هذا إذا لم يكن حجَّ الفرضَ، فأما إن كان متطوِّعًا، فلا شيء عليه غير هَدْي الإحصار. قال البيهقي١: وحديث الحجَّاج بن عَمرو قد اختلف في إسناده، والثابت عن ابن عباس خلافه، وأنه لا حصر إلا حصر العدوّ. تم كلامه٢.

قال ابن القيم ﵀: اختلف العلماء من الصحابة فمَن بعدَهم فيمن مُنِعَ من الوصول إلى البيت بمرض أو كَسْر أو عَرَج هل حكمه حكم المحْصَر

  1. (١) في «السنن الكبرى»: (٥/ ٢٢٠).
  2. (٢) هذا التعليق بطوله من قوله: «وإن صح حديث الحجاج» إلى هنا للمنذري مع تصرُّف لابن القيم فيه، وهو في (خ- المختصر) (ق ٥٨ ب) في طرتها، وسقط من طبعة «المختصر»، وقد ساق منه المجرِّد إلى آخر كلام البيهقي، وظنه الفقي في طبعته للمؤلف فنسبه إليه.
    وكلام البيهقي في «الكبرى»: (٥/ ٢٢٠)، وفي «المعرفة»: (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
366

بالعدوّ١ في جواز التحلُّل؟ فرُوي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا يُحِلّه إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه٢.

ورُوي عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدوِّ، وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأصحابه، وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحمد في الرواية الأخرى عنه٣.

ومن حُجّة هؤلاء: حديث الحجَّاج وأبي هريرة وابن عباس. قالوا: وهو حديث حسن يحتجُّ بمثله.

قالوا: وأيضًا ظاهرُ القرآن بل صريحُه يدلُّ على أن الحصر يكون بالمرض، فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحْصَره المرضُ وحَصَره العدوُّ، فيكون لفظ الآية صريحًا في المريض، وحصر العدوّ ملحقٌ به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل؟

قال الخليلُ٤ وغيره: حصرتُ الرجلَ حصرًا منعتُه وحبستُه، وأُحْصِر عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو نحوه.

قالوا: وعلى هذا خُرِّج قولُ ابن عباس: «لا حصر إلا حصر العدوّ»٥،

  1. (١) سقطت من ط. الفقي.
  2. (٢) ينظر «التمهيد»: (١٥/ ٢٠٧ - ٢١٠)، و«نهاية المطلب»: (٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩)، و«المغني»: (٥/ ٢٠٣)، و«مسائل الكوسج»: (٥/ ٢٣٢٦).
  3. (٣) ينظر «التمهيد»: (١٥/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و«المغني»: (٥/ ٢٠٣).
  4. (٤) ذكره في «التمهيد»: (١٥/ ١٩٤)، وينظر «الصحاح»: (٢/ ٦٣٢).
  5. (٥) أخرجه البيهقي في «الكبرى»: (٥/ ٢١٩)، وفي «المعرفة»: (٤/ ٢٤٢).
367

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي