تهذيب السنن

ولم يقل: لا إحصار إلا إحصار العدوّ. فليس بين رأيه وروايته تعارض، ولو قُدِّر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه، لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة.

قالوا: وقولكم: لو كان يحلّ بالحصر لم يكن للاشتراط معنى. جوابه من وجهين:

أحدهما: أنكم لا تقولون بالاشتراط ولا يفيد الشرط عندكم شيئًا. فلا يحل عندكم بشرط ولا بدونه، فالحديثان معًا حجة عليكم، وأما نحن فعندنا أنه يستفيد بالشرط فائدتين:

إحداهما: جواز الإحلال، والثانية: سقوط الدم، فإذا لم يكن شرط استفاد١ بالعذر الإحلال وحده، وثبت وجوب الدم عليه، فتأثير الاشتراط في سقوط الدم.

وأما قولكم: إن معناه أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به مَن يَفُوته الحجّ لغير مرض، ففي غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكَسْر ولا للعَرَج في ذلك، فإن المفوت يحل صحيحًا كان أو مريضًا.

وأيضًا: فإن هذا يتضمّن تعليقَ الحكم بوصف لم يعتبره النص، وإلغاء الوصف الذي اعتبره، وهذا غير جائز.

وأما قولكم: «إنه يُحْمَل على الحلّ بالشرط»، فالشرط إما أن يكون له تأثر في الحلّ عندكم، أو لا تأثير له، فإن كان مؤثرًا في الحِلّ لم يكن الكَسْر والعَرَج هو السبب الذي عُلِّق الحكمُ به، وهو خلاف النص، وإن لم يكن له تأثير في الحلّ بطَلَ حَمْل الحديث عليه.

  1. (١) غير محررة في الأصل، ولعلها ما أثبت.
368

قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يقول أحد بظاهره» فإنّ ظاهره أنه بمجرَّد الكَسْر والعَرَج يحلّ.

فجوابه: أن المعنى: فقد صار ممن يجوز له الحلّ بعد أن كان ممنوعًا منه، وهذا كقوله ﷺ: «إذا أقبل الليلُ من هاهنا وأدبرَ النهارُ من هاهنا، فقد أفطر الصائم»١ وليس [ق ٧٢] المراد به أنه أفطر حكمًا، وإن لم يباشر المفطِّرات، بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السّحَر، ولو أفطروا حكمًا لاستحالَ منهم الوصال، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] فإذا نكَحَت زوجًا آخر حلَّت، لا بمجرَّد نكاح الثاني، بل لا بدَّ من مفارقته، وانقضاء العدة، وعَقْد الأول عليها.

قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه، بخلاف مَن حَصَره العدوُّ= كلامٌ لا معنى تحته، فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيده المحصر بالعدوِّ، فإنه إذا بقي ممنوعًا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه، تضرَّر بذلك أعظم الضّرَر في الحرِّ والبرد، ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترَفُّه ما يكون سبب زوال أذاه، كما يستفيد المحصر بالعدوِّ بحلِّه، ولا فرق بينهما، فلو لم يأت نصٌّ بحلّ المحصَر بمرضٍ لكان القياس على المحصر بالعدوِّ يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدلّ عليه؟ والله أعلم.

١٣ - بابُ استلامِ الأركان

١١٩/ ١٧٩٥ - وعنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يَدَعُ أن يستلمَ الرُّكْنَ

  1. (١) أخرجه البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠) من حديث عمر ﵁.
369

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي