قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يقول أحد بظاهره» فإنّ ظاهره أنه بمجرَّد الكَسْر والعَرَج يحلّ.
فجوابه: أن المعنى: فقد صار ممن يجوز له الحلّ بعد أن كان ممنوعًا منه، وهذا كقوله ﷺ: «إذا أقبل الليلُ من هاهنا وأدبرَ النهارُ من هاهنا، فقد أفطر الصائم»١ وليس [ق ٧٢] المراد به أنه أفطر حكمًا، وإن لم يباشر المفطِّرات، بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السّحَر، ولو أفطروا حكمًا لاستحالَ منهم الوصال، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾[البقرة:٢٣٠] فإذا نكَحَت زوجًا آخر حلَّت، لا بمجرَّد نكاح الثاني، بل لا بدَّ من مفارقته، وانقضاء العدة، وعَقْد الأول عليها.
قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه، بخلاف مَن حَصَره العدوُّ= كلامٌ لا معنى تحته، فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيده المحصر بالعدوِّ، فإنه إذا بقي ممنوعًا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه، تضرَّر بذلك أعظم الضّرَر في الحرِّ والبرد، ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترَفُّه ما يكون سبب زوال أذاه، كما يستفيد المحصر بالعدوِّ بحلِّه، ولا فرق بينهما، فلو لم يأت نصٌّ بحلّ المحصَر بمرضٍ لكان القياس على المحصر بالعدوِّ يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدلّ عليه؟ والله أعلم.
١٣ - بابُ استلامِ الأركان
١١٩/ ١٧٩٥ - وعنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يَدَعُ أن يستلمَ الرُّكْنَ
(١) أخرجه البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠) من حديث عمر ﵁.
اليماني والحَجَر في كلِّ طَوْفة، قال١: وكان عبد الله بن عمر يفعله.
وأخرجه النسائي٢. وفي إسناده عبد العزيز بن أبي روَّاد، وفيه مقال.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى ابن حبان في «صحيحه»٣ عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «مَسْح الحَجَر والركن اليماني يحطّ الخطايا حطًّا». وروى النسائي٤ من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال: «رأيت طاوسًا يمرُّ بالركن، فإن وجد عليه زحامًا مرَّ ولم يُزاحِم، فإن رآه خاليًا قَبَّله ثلاثًا، ثم قال: رأيتُ ابنَ عباس فَعَل مثل ذلك، ثم قال ابن عباس: رأيتُ عمر بن الخطاب فعَلَ مثل ذلك، ثم قال: «إنك حَجَر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ قَبَّلك ما قَبَّلتك»، ثم قال عمر ﵁: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ فَعَل مثل ذلك». وترجم عليه النسائيُّ: «كم يُقَبِّل الحَجَرَ؟»٥.
وفي النسائي٦ عن عمر: «أنه قَبَّل الحجرَ الأسودَ والتزمه، وقال: رأيتُ أبا القاسم ﷺ بك حَفِيًّا».
(١) من (خ- المختصر)، والقائل هو نافع.
(٢) أخرجه أبو داود (١٨٧٦)، والنسائي في «الكبرى» (٣٩١٤)، وابن خزيمة (٢٧٢٣)، والحاكم: (١/ ٤٥٦).