الثاني: أن عليهما كليهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، نصّ عليه الإمامُ أحمد في رواية ابنه عبد الله٢، وهو ظاهر حديث جابر هذا.
والثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين، وعلى القارن سعي واحد. وهذا هو المعروف عن عطاء، وطاووس، والحسن٣، وهو مذهب مالك والشافعي، وظاهر مذهب أحمد٤. وحجتهم حديث عائشة، وقد تقدم، وذكرنا ما قيل فيه.
وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ: «أنه طاف طوافَين، وسعى سَعْيَين» من رواية عليٍّ وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعِمران بن حُصَين، ولا يثبت شيء منها٥.
والذين قالوا: لا بدّ للمتمتع من سعيين تأوَّلوا حديثَ جابر بتأويلات مُسْتَكرَهة جدًّا. فقال بعضهم: «طوافًا واحدًا» أي: طوافين على صفةٍ واحدةٍ، فـ «الواحدة» راجعة إلى صفة الطواف لا إلى نفسه! وهذا في غاية البُعْد،
(٥) ينظر لهذه الأحاديث: «سنن الدارقطني» (٢٦٢٩ - ٢٦٣٤)، وقد ضعفها البيهقي في «السنن»: (٥/ ١٠٨ - ١٠٩)، وابن الجوزي في «التحقيق»: (٢/ ١٤٩)، وابن عبد الهادي في «التنقيح»: (٣/ ٥٢١ - ٥٢٣)، وابن حجر في «الفتح»: (٣/ ٤٩٥).
وسياق الكلام يشهد ببطلانه.
وقال البيهقي١: «أراد به أصحابَ النبيِّ ﷺ الذين كانوا قارنين خاصة. فإنه ﷺ كان مفرِدًا، وأمر أصحابَه أن يحلُّوا مِن إحرامهم إلا مَن ساق الهَدْيَ، فاكتفى هو وأصحابُه القارنون بطواف واحد».
وهذا بعيدٌ جدًّا، فإن الذين قَرَنوا من أصحابه كلّهم حلُّوا بعمرة إلا من ساق الهدي من سائرهم، وهم آحاد يسيرة، لم يبلغوا العشرة بل ولا الخمسة، بل الحديث ظاهرٌ جدًّا في اكتفائهم كلّهم بطوافٍ واحدٍ بين الصفا والمروة، ولم يأتِ لهذا الحديث معارِضٌ إلا حديث عائشة. وقد ذَكَر بعضُ الحفَّاظ أن تلك الزيادة من قول عروة لا من قولها.
وقد ثبت عن ابن عباس اكتفاء المتمتِّع بسعيٍ واحد؛ روى الإمام أحمد في مناسك ابنه عبد الله٢، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقول: «القارن والمفرد والمتمتع يجزيه طوافٌ بالبيت، وسعيٌ بين الصفا والمروة».
ولكن في «صحيح البخاري»٣ عن عكرمة، عن ابن عباس: «أنه سُئل عن مُتْعَة الحجّ؟ فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصارُ وأزواجُ النبيِّ ﷺ في حَجَّة الوداع وأهْلَلْنا، فلما قدمنا مكةَ قال رسول الله ﷺ: «اجعلوا إهلالَكم بالحجِّ عمرةً، إلا من قلَّدَ الهَدْي»، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا