النساءَ، ولبسنا الثياب، وقال: «مَن قَلَّد الهَدْيَ فإنه لا يحلّ له حتى يبلَغ الهديُ مَحِلَّه»، ثم أَمَرنا عشيةَ التروية أن نُهِلَّ بالحجِّ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقد تمّ حَجُّنا، وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾[البقرة:١٩٦] إلى أمصاركم، الشاةُ تجزئ، فجمعوا نُسُكَين في عامٍ بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه ﷺ، وأباحه للناس غير أهل مكة» وذَكَر باقي الحديث.
فهذا صريحٌ في أن المتمتع يسعى سعيين، وهذا مثل حديث عائشة سواء، بل هو أصرح منه في تعدُّد السعي على المتمتع، فإن صحّ عن ابن عباس ما رواه الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء، فلعلَّ عنه في المسألة روايتان١، كما عن الإمام أحمد فيها روايتان.
وفي «مسائل عبد الله»٢ قال: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين فهو أجود، وإن طاف طوافًا واحدًا فلا بأس، قال: وإن طاف [طوافَين]٣ فهو أعجبُ إليَّ، واحتجَّ بحديث جابر.
وأحمدُ فَهِم من حديث عائشة قولها: «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن منى بحجهم» = أن هذا طواف القدوم.
واستحبَّ في رواية المرُّوذي وغيره للقادم من عرفة، إذا كان متمتعًا أن
(١) كذا في الأصول، والوجه: «روايتين».
(٢) (٢/ ٦٨٦ و٧٤٦).
(٣) في الأصل و(ش، هـ): «طوافًا واحدًا» خطأ، والتصحيح من «المسائل».
يطوف طوافَ القُدُوم. وردَّ عليه بعض أصحابه١ ذلك، وفَهِم من حديث عائشة أن المراد به طواف الفرض، وهذا سهو منه، فإن طواف الفرض مشترك بين الجميع، وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفَتْه عن القارن، وليس المراد بحديث عائشة إلا الطواف بين الصفا والمروة، والله أعلم.
١٢٢/ ١٨١٦ - وعن عائشة: «أن أصحابَ رسول الله ﷺ الذين كانوا معه لم يطوفوا حتى رَمَوُا الجَمْرَة»٢.
وأخرجه النسائي٣.
قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين»٤ عن جابر: أن [ق ٧٤] النبي ﷺ قال لعائشة لما طافت بالكعبة وبالصفا والمروة: «حللتِ من حجِّك وعُمْرَتك جميعًا»، قالت: يا رسول الله، إني أجِدُ في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حجَجْتُ، قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعْمِرها من التنعيم».
١٦ - باب المُلْتَزَم
١٢٣/ ١٨١٨ - عن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتَح رسولُ الله ﷺ مكةَ، قلتُ: لألْبَسَنَّ ثيابي ــ وكانت داري على الطريق ــ ولأنظرنَّ كيف يصنعُ رسولُ الله ﷺ؟ فانطلقتُ، فرأيتُ النبيَّ ﷺ قد خرجَ مِن الكعبة هو وأصحابُه، قد اسْتَلمُوا البيتَ مِن الباب إلى الحَطِيم، وقد وضعوا خُدُودَهم على البيت،
(١) ينظر «المغني»: (٥/ ٣١٥).
(٢) لم يسق المجرِّد الحديث الذي علق عليه المؤلف، وذكرناه احتمالًا.
(٣) أخرجه أبو داود (١٨٩٦)، والنسائي في «الكبرى» (٤١٥٨) وإسناده صحيح.