الشِّعْب فتوضَّأ، ثم جاء إلى جَمْعٍ فعرَّضَ راحلتَه، ثم قال: الصلاة، فصلى المغربَ، ولم يؤذِّن ولم يُقِم، ثم سَلَّم، ثم قال: الصلاة، ثم صلى العشاء، ولم يؤذِّن ولم يُقِم».
والصحيح في ذلك كلِّه: الأخذُ بحديث جابر، وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين:
أحدهما: أن الأحاديث سواه مضطربة مختلفة؛ فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب، كما تقدم، فرُويَ عن ابن عمر مِن فِعْله الجمعُ بينهما بلا أذان ولا إقامة، ورُويَ عنه الجمعُ بينهما بإقامة واحدةٍ، ورُويَ عنه الجمعُ بينهما بأذان واحدٍ وإقامة واحدة، ورُويَ عنه مسنَدًا إلى النبي ﷺ الجمعُ بينهما بإقامة واحدة، ورُويَ عنه مرفوعًا الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضًا مرفوعًا الجمعُ بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعًا الجمعُ بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة. وهذه الروايات صحيحة عنه، فيسقط الأخذُ بها، لاختلافها واضطرابها.
وأما حديث ابن مسعود فإنه موقوف عليه، فعله١.
وأما حديث ابن عباس فغايته أن يكون شهادةً على نفي الأذان والإقامة الثانية٢، ومن أثبتهما معه زيادةُ عِلْم، وقد شهد على أمرٍ ثابت عاينَه وسَمِعَه.
(١) ط. الفقي: «من فعله» زيادة لا موجب لها.
(٢) ط. الفقي: «الثابتين»!
وأما حديث أسامة فليس فيه إلا بيان تعدُّد١ الإقامة لهما وسكت عن الأذان، وليس سكوتُه عنه مقدَّمًا على حديث من أثبته سماعًا صريحًا، بل لو نفاه جملةً لقُدِّم عليه حديث مَن أثبته، لتضمُّنه زيادةَ علمٍ خَفِيَت على النافي.
الوجه الثاني: أنه قد صحّ من حديث جابر٢ في جمعه ﷺ بعرفة: أنه جمع بينهما بأذانٍ وإقامتين، ولم يأت في حديثٍ ثابت قطّ خلافُه، والجمعُ بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم [ق ٧٥] والتأخير، فلو فرضنا تدافُعَ أحاديثِ الجَمْع بمزدلفة جملةً لأخذنا حكم الجمع من جَمْع عرفة.
١٨ - باب التعجيل مِن جَمْع
١٢٥/ ١٨٦١ - وعن عائشة أنها قالت: أرسلَ النبيُّ ﷺ بأُمِّ سَلَمة لَيلةَ النَّحر، فرمَتْ الجمرةَ قبلَ الفجرِ، ثم مضَتْ فأفاضت، وكان ذلك اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله ﷺ ــ تعني عندها».
قال البيهقي: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه، ذكَرَ ذلك عقيب حديث أبي داود، وقال الشافعي: فدلّ على أن خروجها بعد نصف الليل وقبل الفجر، ولأنّ دفعها كان قبل الفجر، لأنها لا تصلي الصبح بمكة إلا وقد قدمت قبل الفجر بساعة. ووافق الشافعيَّ عطاءٌ وطاووس فقالا: ترمي قبل طلوع الفجر، وقال مالك وغيره: ترمي بعد الفجر ولا يجوز قبل ذلك٣.
(١) تحرفت في ط. الفقي إلى: «الإتيان بعدد»!
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) كلام البيهقي هذا ساقه المنذري بحسب كلام المجرِّد، وهو في طرّة خ «المختصر» (ق ٦٩ أ)، وساقه الفقي في طبعته في هامشها لا في متنها، لأنه ورد في هامش المنذري من نسخته. فالله أعلم.