قال ابن القيم ﵀: قال ابن عبد البر١: كان الإمام أحمد يدفع حديثَ أمِّ سلمة هذا ويُضَعِّفه. قال ابن عبد البر٢: وأجمع المسلمون على أنّ النبيَّ ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر: «رأيتُ النبيَّ ﷺ يرمي الجمرةَ ضحى يوم النحر وحدَه، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» أخرجه مسلم٣.
وقال أبو ثور٤: اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس لم تُجزِئْ وعليه الإعادة. قال ابن عبد البر٥: وحُجّته أن رسول الله ﷺ رماها بعد طلوع الشمس، فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفًا للسنة، ولزمه إعادتها. قال: وزعم ابنُ المنذر: أنه لا يعلم خلافًا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنه يُجْزِئه. قال: ولو علمتُ أن في ذلك خلافًا لأوجبتُ على فاعل ذلك الإعادة. قال: ولم يعلَمْ قولَ الثوري٦، يعني أنه لا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس، وهو قول مجاهد وإبراهيم النخعي٧.
(١) في «التمهيد»: (٧/ ٢٧٠).
(٢) في «التمهيد»: (٧/ ٢٦٨).
(٣) (١٢٩٩/ ٣١٤).
(٤) تحرفت في ط. الفقي إلى «أبو داود»!
(٥) في «التمهيد»: (٧/ ٢٧٠).
(٦) حكاه عنه الطحاوي في «بيان المشكل»: (٩/ ١٢٣)، وهو قول أبي ثور أيضًا كما تقدم في «التمهيد».
(٧) ينظر «المغني»: (٥/ ٢٩٥).
فمقتضى مذهب ابن المنذر: أنه يجب الإعادة على مَن رماها قبل طلوع الشمس، وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس، وفِعْله ﷺ متفق عليه بين الأمة، فهذا فعله وهذا قوله، وحديث أم سلمة قد أنكره الإمام أحمد وضعَّفه. وقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ أرْخَصَ لأحدٍ رَمَى قَبَل طلوع الفجر.
١٢٦/ ١٨٦٢ - وعن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ قال: أخبرني مُخْبِرٌ عن أسماء: أنها رمت الجمرةَ، قلت: إنّا رمينا الجمرةَ بليلٍ؟ قالت: إنا كُنَّا نَصْنَع هذا على عهد رسول الله ﷺ.
وأخرجه النسائي١، وقال فيه: عن عطاء: «أن مولى لأسماء أخبره» وأخرج البخاري ومسلم بمعناه أتمَّ منه من رواية عبد الله مولى أسماء عنها.
قال ابن القيم ﵀: والحديث الذي أشار إليه هو ما في «الصحيحين»٢ عن عبد الله مولى أسماء: أنها نزلت ليلة جَمْعٍ عند المزدلفة، فقامت تصلي فصلت ساعةً، ثم قالت: «يا بُنيَّ هل غابَ القمرُ؟ فقلتُ: لا، فصلَّت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، فمضينا حتى رمَتْ الجمرةَ، ثم رجعت، فصلّت الصبحَ في منزلها، فقلتُ لها: يا هَنْتاه، ما أُرانا إلا قد غَلَّسْنا؟ قالت: يا بنيَّ، إن رسول الله ﷺ أذِنَ للظُّعُن» وفي لفظ لمسلم: «لِظُعُنِه».
(١) أخرجه أبو داود (١٩٣٤)، والنسائي (٣٠٥٠)، وأحمد (٢٦٩٤١) وسيأتي أن أصله في «الصحيحين».