وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل، فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر، وقد ذهبت أسماء بعد غيبوبته١ من مزدلفة إلى منى، فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده، فهي واقعةُ عَينٍ، ومع هذا فهي رخصة للظُّعُن، وإن دَلّت على تقدُّم الرمي، فإنما تدلّ على الرمي بعد طلوع الفجر. وهذا قول أحمد في رواية، واختيار ابن المنذر٢، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما٣.
١٩ - باب يوم الحجِّ الأكبر
١٢٧/ ١٨٦٤ - عن ابن عمر: أنّ رسولَ الله ﷺ وقفَ يوم النَّحْرِ بين الجَمَرَاتِ في الحجَّةِ التي حَجَّ٤، فقال: أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يوم النحر؟ قال: هذا يومُ الحجِّ الأكبر»٥.
وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه البخاري تعليقًا٦.
قال ابن القيم ﵀: والقرآنُ قد صرَّح بأن الأذان يوم الحج الأكبر، ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى، فهذا دليل قاطع على أن يوم
(١) ط. الفقي: «غيابه»، ورسمها في الأصل وش: «غيبوبه» ولعله ما أثبت.
(٥) لم يورد المجرِّد أي حديث علّق عليه المؤلف، فلعله هذا الحديث، استظهارًا.
(٦) أخرجه أبو داود (١٩٤٥)، وابن ماجه (٣٠٥٨)، وعلّقه البخاري بعد حديث (١٧٤٢) مجزومًا به. وإسناده صحيح.
الحجِّ الأكبر يوم النحر. وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والشافعي إلى أنه يوم عرفة. وقيل: أيام الحج كلها، فعبَّر عن الأيام باليوم، كما قالوا: يوم الجمل، ويوم صفين، قاله الثوري. والصواب القول الأول١.
٢٠ - بابُ مَنْ لم يُدْرِك عرفةَ
١٢٨/ ١٨٦٩ - وعن عامر ــ وهو الشعبيّ ــ قال: أخبرني عروة بن مُضَرِّسٍ الطائيّ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ بالموقف ــ يعني بجَمْعٍ ــ قلتُ: جِئتُ يا رسول الله من جَبَلَي طَيِّئٍ، أكْلَلْتُ مَطِيَّتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من حَبْلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال رسول الله ﷺ: «مَن أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عَرَفات قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ»٢.
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه٣. وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه.
قال ابن القيم ﵀: وقال عليُّ بن المديني: عروة بن مُضَرِّس لم يرو عنه غير الشعبيّ٤.
(٢) لم يسق المجرِّد الحديث الذي علّق عليه المؤلف، وذكرنا حديث عروة لأن تعليق المؤلف كان عليه.
(٣) أخرجه أبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٩٠٦)، والنسائي (٣٠٤٣)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وأحمد (١٦٢٠٨)، وابن حبان (٣٨٥١). وإسناده صحيح.
(٤) ساق المجرِّد هذه العبارة على أنها من كلام ابن القيم، وهي في كلام المنذري كما في «مختصره». فتركناها كما نَسَبها. وينظر: «الآحاد والمثاني»: (٤/ ٤٣٨) لابن أبي عاصم.