قال ابن القيم ﵀: وأما ما رُوي عن عثمان «أنه تأهَّل بمكّة» فيردُّه أن هذا غير معروف، بل المعروف أنه لم يكن له بها أهلٌ ولا مال.
وقد ذكر مالك في «الموطأ»١ أنه بلغه «أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحْطُطْ راحلته حتى يرجع»، ويردُّه ما تقدّم أن عثمان من المهاجرين الأولين، وليس لهم أن يقيموا بمكة بعد الهجرة. وقال ابن عبد البر٢: وأصح ما قيل فيه: أن عثمان أخذ بالإباحة في ذلك. قال غيره: اعتقد عثمان وعائشة في قصر النبي ﷺ أنه كان رخصةً، أخذَ بالأيسر رِفقًا بأمته، فأخذا بالعزيمةِ وتركا الرخصةَ. والله أعلم.
٢٢ - باب٣ رَمْي الجِمار
١٣٠/ ١٨٩٣ - وعن ابن مسعود: لما انتهى إلى الجَمْرة الكُبرى، جَعَل البيتَ عن يساره، ومِنًى عن يمينه، ورَمَى الجمرةَ بسبعِ حَصَيات، وقال: هكذا رَمَى الذي أُنزلَتْ عليه سورةُ البقرة٤.
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا ومطولًا٥.
(١) (٩٩٠).
(٢) في «التمهيد»: (٢٢/ ٣٠٤).
(٣) كذا في الأصل و(ش)، وفي «المختصر» و«السنن»: «بابٌ في ...».
(٤) لم يذكر المجرّد أيّ حديث علّق عليه المؤلف في هذا الباب، فاستظهرت أنه علق على هذا الحديث لمناسبته لتعليقه، وقد ساق المنذري في الباب ثلاثة عشر حديثًا.
(٥) أخرجه أبو داود (١٩٧٤)، والبخاري (١٧٤٨)، ومسلم (١٢٩٦)، والترمذي (٩١٦)، والنسائي (٤٠٦٢)، وابن ماجه (٣٠٣٠). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال ابن القيم ﵀: قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرةَ بسبع حَصَيات من رواية عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر. وشكُّ الشاكِّ لا يؤثِّر في جَزْم الجازم.
واختلف الناسُ في ذلك١، فالذي ذهب إليه الجمهور: وجوب استيفاء السبع في كلّ رمي، وحكى الطبريُّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن، بعد أن يُكَبِّر عند [ق ٧٦] كلِّ جمرة سبع تكبيرات، أجزأه ذلك، قال: وإنما جُعِل الرميُ بالحصى في ذلك سببًا لحفظ التكبيرات السبع. وقال عطاء: إن رمى بخمسٍ أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بستٍّ فلا شيء عليه، وبه قال إسحاق. وقال الإمام أحمد: إن نقصَ حصاةً أو حصاتين فلا بأس، وقال مرة: إن رمى بستٍّ ناسيًا، فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمَّدَه، فإن تعمَّدَه تصدَّق بشيء. وكان [ابن]٢ عمر يقول: «ما أبالي رميتُ بستٍّ أو بسبع». وقال مرة: لا يجزئه أقلّ مِن سبع٣.
وروى النسائي والبيهقي في «سننه» والأثرم وغيرهم٤ عن ابن أبي
(١) ينظر مذاهب الناس في ذلك: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٣٦٠٩ - ١٣٦١٧)، و«التمهيد»: (١٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، و«المغني»: (٥/ ٣٣٠)، و«فتح الباري»: (٣/ ٥٨١)، و«عمدة القاري»: (١٠/ ٨٨).
(٢) زيادة لازمة لأن الأثر مرويّ عنه لا عن أبيه، أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٦١٣).
(٤) أخرجه النسائي (٣٠٧٧) وفي «الكبرى» (٤٠٦٩) دون أثر طاووس، والبيهقي: (٥/ ١٤٩)، وأحمد (١٤٣٩). ومجاهد لم يسمع من سعد بن أبي وقاص فهو منقطع، كما ذكر ابن القطان وغيره.