تهذيب السنن

قال ابن القيم ﵀: قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرةَ بسبع حَصَيات من رواية عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر. وشكُّ الشاكِّ لا يؤثِّر في جَزْم الجازم.

واختلف الناسُ في ذلك١، فالذي ذهب إليه الجمهور: وجوب استيفاء السبع في كلّ رمي، وحكى الطبريُّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن، بعد أن يُكَبِّر عند [ق ٧٦] كلِّ جمرة سبع تكبيرات، أجزأه ذلك، قال: وإنما جُعِل الرميُ بالحصى في ذلك سببًا لحفظ التكبيرات السبع. وقال عطاء: إن رمى بخمسٍ أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بستٍّ فلا شيء عليه، وبه قال إسحاق. وقال الإمام أحمد: إن نقصَ حصاةً أو حصاتين فلا بأس، وقال مرة: إن رمى بستٍّ ناسيًا، فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمَّدَه، فإن تعمَّدَه تصدَّق بشيء. وكان [ابن]٢ عمر يقول: «ما أبالي رميتُ بستٍّ أو بسبع». وقال مرة: لا يجزئه أقلّ مِن سبع٣.

وروى النسائي والبيهقي في «سننه» والأثرم وغيرهم٤ عن ابن أبي

  1. (١) ينظر مذاهب الناس في ذلك: «مصنف ابن أبي شيبة» (١٣٦٠٩ - ١٣٦١٧)، و«التمهيد»: (١٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، و«المغني»: (٥/ ٣٣٠)، و«فتح الباري»: (٣/ ٥٨١)، و«عمدة القاري»: (١٠/ ٨٨).
  2. (٢) زيادة لازمة لأن الأثر مرويّ عنه لا عن أبيه، أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٦١٣).
  3. (٣) ينظر «المغني»: (٥/ ٣٣٠)، و«الإنصاف»: (٤/ ٤٦ - ٤٧).
  4. (٤) أخرجه النسائي (٣٠٧٧) وفي «الكبرى» (٤٠٦٩) دون أثر طاووس، والبيهقي: (٥/ ١٤٩)، وأحمد (١٤٣٩). ومجاهد لم يسمع من سعد بن أبي وقاص فهو منقطع، كما ذكر ابن القطان وغيره.
391

نَجيح: سُئل طاوسٌ عن رجل ترك حَصَاة؟ قال: يطعم لقمةً، [قال: فذكرتُ ذلك لمجاهد]١ فقال أبو عبد الرحمن: لم تسمع قول سعد، قال سعد بن مالك: «رجعنا في حَجَّة رسول الله ﷺ، فمِنَّا مَن يقول: رميتُ بستٍّ، ومِنّا مَن يقول: رميتُ بسبعٍ، فلم يعِبْ ذلك بعضُنا على بعض».

٢٣ - باب العمرة

١٣١/ ١٩٠٨ - وعن عائشة: «أن رسول الله ﷺ اعتمرَ عُمْرتين، عمرةً في ذي القَعْدة، وعمرةً في شوّال»٢.

قال ابن القيم ﵀: لم يتكلَّم المنذريُّ على هذا الحديث، وهو وهم، فإن رسول الله ﷺ لم يعتمر في شوال قطُّ، فإنه لا ريب أنه اعتمر عمرة الحديبية، وكانت في ذي القَعْدة، ثم اعتمر من العام القابل عمرةَ القضيَّة، وكانت في ذي القَعْدة، ثم غزا غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم، ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف، ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجِعْرَانة، وكانت في ذي القَعْدة، ثم اعتمر مع حَجَّته عمرةً قَرنَها بها، وكان ابتداؤها في ذي

  1. (١) سقط من الأصل، واستدركته من «مسند أحمد» والبيهقي.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (١٩٩١) وذكر الحافظ في «الفتح»: (٣/ ٦٠٠) أن سعيد بن منصور أخرجه مرفوعًا من طريق الدراوردي عن هشام بن عروة. قال: «وإسناده قويّ، وقد رواه مالك في «الموطأ» (٩٧٢) عن هشام عن أبيه مرسلًا، لكن قولها: «في شوال» مخالف لقول غيرها: «في ذي القعدة» ويجمع بينهما أن يكون ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة. ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن مجاهد عن عائشة: لم يعتمر رسول الله ﷺ عمرةً إلا في ذي القعدة». واختلف في وصله وإرساله كما سيذكره المؤلف في التعليق.
392

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي