القَعْدة. وسيأتي حديث أنس١ بعد هذا في أن عُمَرَه كلّها كانت في ذي القعدة.
وقد روى مالك في «الموطأ»٢ عن هشام بن عروة عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهن في شوَّال، واثنتين في ذي القعدة». وهذا مرسل عند جميع رواة «الموطأ». قال ابن عبد البر٣: وقد رُوِي مسندًا عن عائشة، وليس رواته٤ مسندًا ممن يُذْكَر مع مالك في صحّة النقل.
وقال ابن شهاب: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عُمَر، اعتمر عام الحديبية، فصدَّه الذين كفروا في ذي القعدة سنة ستٍّ، واعتمر من العام المقبل في ذي القَعْدة سنة سبع، آمنًا هو وأصحابُه، ثم اعتمر العمرة الثالثة في ذي القَعْدة سنة ثمان، حين أقبل من الطائف من الجعرانة»٥.
وروى معمر، عن الزهري: «أن رسول الله ﷺ اعتمر أربعًا»٦، فذكر
(١) أخرجه أبو داود (١٩٩٤)، والبخاري (١٧٨٠)، ومسلم (١٢٥٣).
(٢) (٩٧٢).
(٣) في «التمهيد»: (٢٢/ ٢٨٩).
(٤) الأصل و(ش): «روايته» ولعل الصواب ما أثبت؛ لأن العبارة في «التمهيد» بعد أن ساق مَن رواه مسندًا: «وليس هؤلاء ممن يُذْكَر مع مالك في صحة النقل» وهي الموافقة لما أثبتنا.
(٥) أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد»: (٢٢/ ٢٩٠) من طريق قاسم بن أصبغ.
(٦) ذكره في «التمهيد»: (٢٤/ ٤١١).
مثل هذا، وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو١ وغيره، وكذلك ذكر موسى بن عقبة وزاد: «ومنهن واحدة مع حجته»٢، وكذلك قال جابر: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كُلُّهن في ذي القعدة، إحداهن زمن الحديبية، والأخرى في صُلح قريش، والأخرى في رَجْعَته من الطائف ومن حُنين من الجعرانة»٣. وهذا لا يناقض ما روى الثوري، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: «أن رسول الله ﷺ حجَّ ثلاث حِجَج: [حجّتين] قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة»٤ فإن جابرًا أرادَ عمرتَه المفردة التي أنشأ لها سفرًا لأجل العمرة. ولا يناقض هذا أيضًا حديثَ ابن عمر: «أنه ﷺ اعتمر عمرتين»٥ كما سيأتي بعد هذا، فإن كان هذا محفوظًا عن عائشة: «أنه اعتمر في شوال» فلعله عَرَض لها في ذلك ما عرضَ لابن عمر من قوله: «إنه اعتمر في رجب».
وإن لم يكن محفوظًا عن عائشة كان الوهم
(١) كذا في الأصل والظاهر أنه تحريف، وصوابه: ابن عُمَر، وحديثه أخرجه البخاري (١٧٧٥) وأحمد (٦١٢٦). وحديث ابن عَمْرو أخرجه أحمد (٦٦٨٥ و٦٦٨٦) لكن فيه: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر، كل ذلك في ذي القعدة ...».
(٢) الذي في «التمهيد»: (٢٤/ ٤١١) أن هذه رواية معمر.
(٣) أخرجه البزار كما في «كشف الأستار»: (٢/ ٣٨) ومن طريقه ابنُ عبد البر في «التمهيد»: (٢٢/ ٢٩٠ - ٢٩١)، والطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد»: (٣/ ٢٧٩) وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه الترمذي (٨١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٦)، وابن خزيمة (٣٠٥٦)، والحاكم: (١/ ٤٦٩). قال الترمذي: هذا حديث غريب ... ونقل عن البخاري أنه لم يعرفه من حديث الثوري ... ولا يعدّ هذا الحديث محفوظًا. وصححه الحاكم على شرط مسلم! وما بين المعكوفين من المصادر.