مثل هذا، وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو١ وغيره، وكذلك ذكر موسى بن عقبة وزاد: «ومنهن واحدة مع حجته»٢، وكذلك قال جابر: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كُلُّهن في ذي القعدة، إحداهن زمن الحديبية، والأخرى في صُلح قريش، والأخرى في رَجْعَته من الطائف ومن حُنين من الجعرانة»٣. وهذا لا يناقض ما روى الثوري، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: «أن رسول الله ﷺ حجَّ ثلاث حِجَج: [حجّتين] قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة»٤ فإن جابرًا أرادَ عمرتَه المفردة التي أنشأ لها سفرًا لأجل العمرة. ولا يناقض هذا أيضًا حديثَ ابن عمر: «أنه ﷺ اعتمر عمرتين»٥ كما سيأتي بعد هذا، فإن كان هذا محفوظًا عن عائشة: «أنه اعتمر في شوال» فلعله عَرَض لها في ذلك ما عرضَ لابن عمر من قوله: «إنه اعتمر في رجب».
وإن لم يكن محفوظًا عن عائشة كان الوهم
(١) كذا في الأصل والظاهر أنه تحريف، وصوابه: ابن عُمَر، وحديثه أخرجه البخاري (١٧٧٥) وأحمد (٦١٢٦). وحديث ابن عَمْرو أخرجه أحمد (٦٦٨٥ و٦٦٨٦) لكن فيه: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر، كل ذلك في ذي القعدة ...».
(٢) الذي في «التمهيد»: (٢٤/ ٤١١) أن هذه رواية معمر.
(٣) أخرجه البزار كما في «كشف الأستار»: (٢/ ٣٨) ومن طريقه ابنُ عبد البر في «التمهيد»: (٢٢/ ٢٩٠ - ٢٩١)، والطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد»: (٣/ ٢٧٩) وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه الترمذي (٨١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٦)، وابن خزيمة (٣٠٥٦)، والحاكم: (١/ ٤٦٩). قال الترمذي: هذا حديث غريب ... ونقل عن البخاري أنه لم يعرفه من حديث الثوري ... ولا يعدّ هذا الحديث محفوظًا. وصححه الحاكم على شرط مسلم! وما بين المعكوفين من المصادر.
(٥) أخرجه أبو داود (١٩٩٢).
من عروة أو من هشام، والله أعلم، إلا أن يُحْمَل على أنه ابتدأ إحرامها في شوال، وفَعَلها في ذي القعدة. فتتفق الأحاديثُ كلّها، والله أعلم١.
١٣٢/ ١٩٠٩ - وعن مجاهد قال: سُئِلَ ابنُ عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد عَلِم ابنُ عمر أن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا، سوى التي قَرَنها بحجَّة الوداع.
وأخرجه النسائي. وأخرجه ابن ماجه مختصرًا بنحوه٢.
قال ابن القيم ﵀: قال ابن حزم٣: «صَدَقَت عائشةُ، وصَدَق ابنُ عمر؛ لأن رسول الله ﷺ لم يعتمر منذ هاجر إلى المدينة عمرةً كاملةً مفردة. إلا اثنتين كما قال ابن عمر، وهما عمرة القضاء، وعمرة الجِعْرَانة عام حُنين. وعدَّتْ عائشةُ وأنسٌ إلى هاتين العمرتين عمرةَ الحديبية التي صُدَّ عنها، والعمرة التي قَرنَها بحَجَّته، فتآلفَتْ أقوالُهم وانتفى التعارض عنها».
ثم قال ابن القيم ﵀ ــ بعد قول المنذري٤: وذَكَر بعضُهم أن رسول الله خرج معتمرًا في رمضان، إلى أن قال المنذريُّ: وكان ابتداءُ خروجهم لها في رمضان ــ: وهذا لا يصحّ لأنه ﷺ لم يخرج في رمضان إلى مكةَ إلا في
(١) وهذا ما ذكره الحافظ في «الفتح»: (٣/ ٦٠٠). وانظر «زاد المعاد»: (٢/ ٩٢ - ٩٦ و١١٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٩٢)، والنسائي في «الكبرى» (٤٢٠٤)، وابن ماجه (٢٩٩٧) مختصرًا عن مجاهد عن عائشة ﵂.
(٣) في «حجة الوداع» (ص ٤٠٦).
(٤) كلامه غير موجود في المطبوع من «المختصر»، وهو في المخطوط (ق ٧٤ ب) معلقًا على طرتها عند حديث أنسٍ (١٩١١).