تهذيب السنن

قالوا: ولعله صلى الظهر بأصحابه، ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمَن لم يصل، كما قال جابر، ثم رجع إلى منى، فرأى قومًا لم يصلوا فصلى بهم ثالثة، كما قال ابن عمر.

وهذه خرفشةٌ١ في العلم، وطريقة يسلكها القاصرون فيه، وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك، ويحيلون الاختلافَ على الوهم والنسيان، الذي هو عُرضة البشر. ومَن له إلمام بالسنة ومعرفة حجّه٢ ﷺ، يقطعُ بأنه لم يصلِّ الظهرَ في ذلك اليوم ثلاثَ مرّات بثلاث جماعات، بل ولا مرتين. وإنما صلاها على عادته المستمرَّة قبل ذلك اليوم وبعده ﷺ.

وفَهِم منه آخرون ــ منهم ابن حزم وغيره ــ أنه أفاض حين صلاها بمكة٣.

وفي نسخة من نسخ «السنن»: «أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع»٤. وهذه الرواية ظاهرة في أنه صلاها بمكة، كما قال جابر، ورواية «حين» محتملة للأمرين، والله أعلم.

١٣٤/ ١٩١٦ - وعن أم سلمة قالت: كانت ليلتي التي يصير إليَّ فيها رسولُ الله ﷺ مساءَ يومِ النحر، فصار إليَّ، فدخل عليَّ وَهْب بن زَمْعَة، ومعه رجلٌ من آل أبي أُمية مُتَقَمِّصَيْنِ. فقال رسول الله ﷺ لوهب: «هل أفَضْتَ أبا عبد الله؟»، قال:

  1. (١) الخرفشة والخربشة والخرمشة: الفساد والتشويش. ينظر «اللسان»: (٦/ ٢٩٥).
  2. (٢) كذا في الأصل و(ش)، وط. الفقي: «بحجته».
  3. (٣) ينظر «حجة الوداع» (ص ٢٠٩).
  4. (٤) نقل هذا اللفظ ابنُ حزم في «حجة الوداع» (ص ٢٠٩ - ٢٩٨) بإسناده إلى «سنن أبي داود» برواية ابن الأعرابي وابن داسة. وهو لفظ الدارقطني في «سننه» (٢٦٨٠).
399

لا والله يا رسول الله، قال: «انْزِعْ عنك القَمِيصَ»، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحِبُه قميصَه مِن رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «إنَّ هذا يومٌ رُخِّصَ لكم إذا أنتم رَمَيْتُم الجمرة أن تَحلّوا، يعني مِن كلّ ما حُرِمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيتَ صِرْتُم حُرُمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به»١.

في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلامُ عليه.

قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث يرويه ابن إسحاق، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة، يحدثانه عن أم سلمة، وقال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس بنت مِحْصَن، وكانت جارة لهم، قالت: «خرج من عندي عُكَّاشة بن مِحْصَن في نفرٍ من بني أسد متقمِّصًا، عشيةَ يوم النحر، ثم رجعوا إليَّ عشاءً، وقُمُصُهم على أيديهم يحملونها، فقلت: أي عُكَّاشة، ما لكم خرجتم متقمِّصين ثم رجعتم وقُمُصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خيرٌ يا٢ أمَّ قيس، كان هذا يومًا رخَّص فيه رسول الله ﷺ لنا إذا نحن رمينا الجمرةَ حَلَلْنا مِن كلِّ ما حُرِمْنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف [به صِرْنا حُرُمًا كهيئتنا قبل

  1. (١) أخرجه أبو داود (١٩٩٩)، وأحمد (٢٦٥٣٠)، وابن خزيمة (٢٩٥٨) ــ ومن طريقه الحاكم: «١/ ٤٨٩ - ٤٩٠) ــ من طريق ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وأمه (زينب بنت أبي سلمة) عن أم سلمة به. وأبو عبيدة بن زمعة مستور، وقال فيه الحافظ «مقبول» يعني حيث يتابَع، وقد اضطرب في هذا الحديث على عدة أنحاء، ينظر حاشية «المسند»: (٤٤/ ١٥٣).
  2. (٢) تحرفت في ط. الفقي وط. «المسند» القديمة وبعض نسخه إلى: «أخبرتنا»!
400

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي