وعائشة، وهذا أمرٌ لا يرتاب فيه أهلُ العلم بالحديث، وقد تقدّم١ قولُ [ق ٧٨] عائشة: «أفاضَ رسولُ الله ﷺ حين صلى الظهر» من رواية أبي سلمة والقاسم عنها، قال البيهقي٢: وحديث أبي سلمة عن عائشة أصح. وقال البخاري٣: في سماع أبي الزبير من عائشة نظر، وقد سمع من ابن عباس.
وقال المنذريّ٤: ويمكن أن يُحْمَل قولها «أخَّر طوافَ يوم النحر إلى الليل» على أنه أَذِن في ذلك، فنُسِب إليه، وله نظائر.
٢٥ - بابُ تحريمِ مكة٥
١٣٥/ ١٩٣٤ - عن أبي هريرة قال: لمّا فَتَحَ الله تعالى على رسول الله ﷺ مكَّةَ قام رسول الله ﷺ فيهم، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنَّ الله حَبَسَ عن مكة الفيل، وَسلَّطَ عليها رسولَهُ والمؤمنين، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من النهار، ثم هي حرامٌ إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلا لِمُنْشِدٍ»، فقام عباس، أو قال: قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخِرَ، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ: «إلا الإذْخِرَ».
وزاد فيه ابنُ المصفَّى عن الوليد: فقام أبو شاهٍ ــ رجلٌ من أهل اليمن ــ فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال رسولُ الله ﷺ: «اكتُبُوا لأبي شاهٍ». فقلت للأوزاعي:
(١) يعني في «سنن أبي داود» (١٩٧٣) وتقدم تخريجه.
(٢) في «الكبرى»: (٥/ ١٤٤).
(٣) ذكره عنه الترمذي في «العلل الكبير»: (١/ ١٣٤) والحافظ في «التغليق»: (٣/ ٩٩).
(٤) كذا في الأصل، وجعله في طبعة الفقي من كلام المؤلف، ولم أجد كلام المنذري في (خ - مختصر السنن) (ق ٧٥ ب).
(٥) في مطبوعة «المختصر»: «حرم مكة».
ما قوله: «اكتبوا لأبي شاه؟» قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ.
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي١.
قال ابن القيم ﵀: في حديث: «اكتبوا لأبي شاه»: فيه أن مكة فُتِحَت عَنْوَة. وفيه تحريم قطع شجر الحرم، وتحريم التعرُّض لصيده بالتنفير فما فوقه. وفيه أن لُقَطتها لا تجوز٢ إلا لتعريفها أبدًا، والحفظ على صاحبها. وفيه جواز قطع الإذخر خاصةً، رطبه ويابسه. وفيه أن اللاجئ إلى الحرم لا يُتَعرَّض له ما دام فيه، ويؤيده قوله في «الصحيحين»٣ في هذا الحديث: «فلا يحلّ لأَحدٍ أن يسفكَ بها دمًا». وفيه جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه، وأنه لا يشترط اتصاله به ولا نيته مِن أول الكلام. وفيه الإذن في كتابة السُّنَن، وأن النهيَ عن ذلك منسوخٌ. والله أعلم.
١٣٦/ ١٩٣٦ - وعن يوسف بن ماهَك، عن أمِّه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نَبْنِي لك بمنًى بيتًا، أو بناءً، يُظِلُّكَ من الشمس؟ فقال: «لا، إنما هو مُنَاخُ من سَبَقَ إليه».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه٤. وقال الترمذي: حديث حسن. وفي حديث الترمذي وابن ماجه: عن أمه مُسَيكة، وذكر غيرهما: أنها مكية.
(١) أخرجه أبو داود (٢٠١٧)، والبخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)، والترمذي (٢٦٦٧)، والنسائي في «الكبرى» (٥٨٢٤).
(٢) ط. الفقي: «لا يجوز أخذها» وهو تصرف في الأصل بما لا حاجة إليه، دون تنبيه.
(٣) البخاري (١٠٤)، ومسلم (١٣٥٤) من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٠١٩)، والترمذي (٨٨١)، وابن ماجه (٣٠٠٦)، وأحمد (٢٥٥٤١).