١٣٨/ ١٩٧٧ - عن عائشة زوج النبي ﷺ وأمِّ سَلَمة: أن أبا حُذيفة بن عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس كان تبَنَّى سالمًا، وأنكحه ابنةَ أخيه هندَ بنت الوليد بن عُتبة بن ربيعة، وهو مولًى لامرأةٍ من الأنصار، كما تبنَّى رسولُ الله ﷺ زيدًا. وكان مَن تبنَّى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه وَوُرِّثَ ميراثَه، حتى أنزل الله ﷾ في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾[الأحزاب: ٥]، فَرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أبٌ كان مولًى وأخًا في الدين، [فجاءت] سهلةُ٢ بنت سُهيل بن عَمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، إنّا كُنّا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضُلًا، وقد أنزل الله ﷿ فيهم ما قد علمتَ، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ: «أرْضِعيه»، فأرضعته خمسَ رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يُرْضِعْنَ من أحَبَّت عائشةُ أن يراها ويدخُلَ عليها ــ وإن كان كبيرًا ــ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثم يَدخُل عليها، وأبَتْ أُمُّ سَلَمة وسائرُ أزواجِ النبيِّ ﷺ أن يُدْخِلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس،
(١) كذا في مخطوطة الكتاب، وفي «المختصر»: «من». وقوله: «يعني رضاع الكبير» من توضيح المجرّد وليست من تبويب الكتاب.
(٢) تكررت كلمة «مواليكم» من الآية في (خ- المختصر)، وسقطت كلمة «فجاءت» منه أيضًا فأثبتناها من المطبوع و«السنن». وقوله: «سهلة» ليست في مطبوعة المختصر، وأثبتناها من (خ- المختصر) و«السنن».
حتى يُرْضَع في المهد، وقُلْن لعائشة: والله ما ندري، لعلها كانت رُخصةً من النبي ﷺ لسالم دون الناس».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي١.
قال ابن القيم ﵀: وقد قال بقول عائشة في رَضاع الكبير: الليثُ بن سعد وعطاءٌ وأهلُ الظاهر. والأكثرون حملوا الحديثَ إما على الخصوص وإما على النسخ٢.
واستدلوا على النسخ بأن قصِّةَ سالم كانت في أول الهجرة، لأنها جرت٣ عقب نزول الآية، والآية نزلت في أوائل الهجرة٤. وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر، فرواها مَن تأخَّر إسلامهم من الصحابة، نحو أبي هريرة وابن عباس وغيرهم فتكون أولى.
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٦١)، والبخاري (٤٠٠٠)، ومسلم (١٤٥٣)، والنسائي في «الكبرى» (٥٤٢٦).
(٢) ينظر للمسألة: «الاستذكار»: (١٨/ ٢٧٢ - ٢٧٩)، و«التمهيد»: (٨/ ٢٥٧ - ٢٦١)، و«فتح الباري»: (٩/ ١٤٦ - ١٤٩)، و«طرح التثريب»: (٧/ ١٣٨ - ١٣٩)، و«زاد المعاد»: (٥/ ٥١٤ - ٥٢٧)، و«إعلام الموقعين»: (٤/ ٢٦٤) وختم البحث بقوله: «وفي قصة سالم مسلك آخر، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإن سالمًا كان قد تبنّاه أبو حذيفة وربّاه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بُدّ، فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد، ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا (يعني ابن تيمية) يجنح» اهـ.