تهذيب السنن

وقال غيره١: هذا الحُكم كان مباحًا مشروعًا في صدر الإسلام، وإنما أباحه النبي ﵇ للسبب الذي ذكره ابنُ مسعود، وإنما كان ذلك يكون في أسفارهم، ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أباحه لهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنها غير مرة ثم أباحها لهم في أوقات مختلفة، حتى حرمها عليهم في آخر أيامه ﵇، وذلك في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيدٍ لا تأقيت، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة، إلا شيئًا ذهب إليه بعض الشيعة، ويروى عن ابن جُريج جوازه.

وقوله: «للسبب الذي ذكره ابن مسعود» وهو قول ابن مسعود: «كنّا نغزو مع رسول الله ليس معنا نساء فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأةَ بالثوب إلى أجل». أخرجاه في «الصحيح»٢.

قال ابن القيم ﵀٣: وأما ابن عباس، فإنه سَلَك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة، ولم يُبِحْها مُطلقًا، فلما بلغه إكثارُ الناس منها رَجَع، وكان يحملُ التحريمَ على مَن لم يحتج إليها.

قال الخطَّابي٤: حدثنا ابن السمَّاك، حدثنا الحسن بن سلام، حدثنا الفضل بن دُكَين، حدثنا عبد السلام، عن الحجَّاج، عن أبي خالد، عن المِنْهال، عن ابن جُبير قال: «قلت لابن عباس: هل تدري ما صنعت، وبما

  1. (١) هو الحازمي في «الاعتبار»: (٢/ ٦٣٠).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٤٦١٥)، ومسلم (١٤٠٤).
  3. (٣) ذكر المجرِّد أن ابن القيم علق على كلام المنذري، وليس في طبعة «المختصر» كلام له، ونقلنا كلام المنذري بطوله من طرّة المخطوط (٨٥ ب نسخة المحمودية) و(ق ١٧٨ نسخة دار الكتب».
  4. (٤) في «معالم السنن»: (٢/ ٥٥٩ - بهامش السنن).
413

أفتيتَ؟ قد سارت بفُتْياك الرُّكْبان، وقالت فيه الشعراء. قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:

قد قلت للشيخ لما طال مجلسُه١: ... يا صاحِ هل لك في فُتْيا ابنِ عباسِ؟

هل لكَ في رَخْصَةِ الأطْراف آنسةٍتكون مثواك حتى رَجْعة الناسِ؟

فقال ابن عباس: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! والله ما بهذا أفتيتُ، ولا هذا أردْتُ، ولا أحللتُ إلا مثل ما أحلَّ الله الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزير، وما تحل إلا للمضطرّ، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير»٢.

وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا رَوْحُ بن عُبادة، حدثنا موسى بن عُبَيدة، سمعت محمد بن كعب القُرَظي يحدِّث عن ابن عباس قال: «كانت المتعة في أول الإسلام، متعة النساء، فكان الرجل يَقْدَم بسلعته البلدَ، ليس له مَن يحفظ عليه ضيعتَه٣ ويضمّ إليه متاعَه، فيتزوَّجُ المرأةَ إلى قَدْر ما يرى أنه يقضي حاجتَه، وقد كانت تُقرأ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ (إلى أجلٍ مسمّى) فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] حتى نزلت: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٣ - ٢٤] فتُرِكَت المتعةُ وكان الإحصان، إذا شاء طلَّق وإذا شاء أمسك، ويتوارثان، وليس لهما

  1. (١) كذا في الأصل و(هـ، ش) و«الاعتبار»، وفي نسخة من «معالم السنن»: «محبسه».
  2. (٢) ورواه الحازمي في «الاعتبار» (ص ٦٣٩ - ٦٤٠) من طريق الخطابي، وأخرجه الطبراني في «الكبير»: (١٠/ ٢٥٩)، والبيهقي في «الكبرى»: (٧/ ٢٠٥).
  3. (٣) ط. الفقي: «شيئه»!
414

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي