وهذا غلط، فإن فاطمة لم تركن إلى واحدٍ منهما، وإنما جاءت مستشيرةً للنبيِّ ﷺ، فأشار عليها بما هو الأصلح لها، والأرضى لله ولرسوله، ولم يخطبها لنفسه، ومورد النهي إنما هو خطبة الرجل لنفسه على خطبة أخيه، فأما إشارته على المرأة إذا استشارته بالكُفء الصالح فأين ذلك من الخطبة على خطبة أخيه؟ فقد تبيَّن غلطُ القائل، والحمد لله. وأيضًا فإنَّ هذا من الأحكام الممتنع نسخُها، فإنَّ صاحبَ الشرع علَّله بالأخوَّة، وهي علة مطلوبة البقاء والدوام، لا يلحقها نسخ ولا إبطال.
٧ - باب الرجلِ ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها١
١٤٤/ ١٩٩٨ - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خطَبَ أحدُكم المرأةَ، فإن استطاع أن ينظرَ إلى ما يدعوه إلى نِكاحِها فليفعل»، فخطَبْتُ جاريةً، فكنتُ أتخبّأُ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نِكاحِها وتزويجها٢»٣.
في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه. وقد أخرج مسلم في
(١) كذا في الأصل و(ش) و«السنن» المطبوعة والمخطوط (ق ١٣٢ ب- نسخة الخطيب)، ومطبوعة «المختصر»، وفي مخطوط «المختصر» (ق ٨٦ ب): «وهو يريد أن يتزوجها». ووقع في ط. المعارف: «وهو يريد نكاحها» ولم يذكر مستنده في التغيير!
(٢) في نسخة من «السنن»: «فتزوجتها».
(٣) أخرجه أبو داود (٢٠٨٢)، وأحمد (١٤٥٨٦ و١٤٨٦٩)، والحاكم (٢/ ١٦٥)، والبيهقي: (٧/ ٨٤)، وصححه الحاكم. وإسناده حسن لأجل محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث.
«صحيحه»١ من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: «كنتُ عند النبي ﷺ فأتاه رجلٌ فأخبره أنه تزوَّجَ امرأةً من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ: أنظرتَ إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا».
قال المنذري: قال الشافعي: ينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية، ولا ينظر إلى ما وراء ذلك. وقال الشافعي: وسواء كان بإذنها أو بغير إذنها إذا كانت مستترة، وكره بعضُهم ذلك كلَّه، والسنةُ تقضي عليهم مع الإجماع على جواز النظر للحاجة كالشهادة وغيرها، وتمسك داودُ بظاهر اللفظ، وأجاز أن ينظر إلى سائر جسدها٢.
قال ابن القيم ﵀: وعن أحمد ثلاث روايات: إحداهن: ينظر إلى وجهها ويديها، والثانية: ينظر ما يظهر غالبًا، كالرقبة والساقين ونحوهما، والثالثة: ينظر إليها كلّها، عورة وغيرها، فإنه نصَّ على أنه يجوز أن ينظر إليها متجرِّدة٣!
واللفظ الذي ذكره مسلم ليس بصريح في نظر الخاطب، وقد رواه النسائي٤: خطب رجلٌ امرأةً من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ: «هل نظرتَ إليها؟»، قال: لا، فأمره أن ينظر إليها. رواه من طريق يزيد بن كيسان،
(١) (١٤٢٤).
(٢) كلام المنذري من هامش (خ- المختصر) (ق ٨٦ ب) وليست في المطبوع منه، وقد نقل المجرِّد بعضه مع تصرف، وجعله في ط. الفقي من كلام ابن القيم!
(٣) يُنظر للروايات عن أحمد: «المغني»: (٩/ ٤٩١)، و«الفروع»: (٨/ ١٨١ - ١٨٢)، و«الإنصاف»: (٨/ ١٧ - ١٨). والرواية الأخيرة التي ذكرها المؤلف عن أحمد لعلها ما ذكره ابن عقيل بأن للخاطب النظر إلى ما عدا العورة المغلّظة.