تهذيب السنن

وفي اسمها قولان: أحدهما: رملة، وهو الأشهر. والثاني: هند١.

وتزويج النجاشي لها حقيقة، فإنه كان مسلمًا، وهو أميرُ البلد وسلطانُه. وقد تأوَّله بعضُ المتكلِّفين على أنه ساق المهرَ من عنده، فأضيفَ التزويجُ إليه. وتأوَّله بعضُهم على أنه كان هو الخاطب، والذي ولي العقدَ عثمانُ بن عفان، وقيل: عَمْرو بن أمية الضَّمْري. والصحيح أن عَمرو بن أمية كان وكيل رسول الله ﷺ في ذلك، بعث به إلى النجاشي يزوِّجه إيَّاها، وقيل: الذي ولي العقدَ عليها خالدُ بن سعيد بن العاص، ابن عمِّ أبيها.

وقد روى مسلم في «الصحيح»٢ من حديث عكرمة بن عمَّار، [عن أبي زُمَيل]، عن ابن عباس قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ يا نبيَّ الله، ثلاث أعْطِنِيهِنّ، قال: «نعم». قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، أزوِّجُكَها؟ قال: «نعم»، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: «نعم»، قال: وتُؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنتُ أقاتل المسلمين؟ قال: «نعم».

وقد ردَّ هذا الحديثَ جماعةٌ من الحفَّاظ، وعدُّوه من الأغلاط في كتاب مسلم، قال ابن حزم٣: هذا حديث موضوع لا شكَّ في وضعه، والآفةُ فيه من عكرمة بن عمار، فإنه لم يختلف في أن رسول الله ﷺ تزوَّجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر.

  1. (١) ينظر «الإصابة»: (٧/ ٦٩١).
  2. (٢) (٢٥٠١) وما بين المعقوفين منه.
  3. (٣) في جزء له، طبع ضمن «نوادر ابن حزم» (ص ٦ - ٧). وانظر «المحلى»: (٢/ ٣٢).
430

وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «الكشف»١ له: «هذا الحديث وهم من بعض الرواة، لا شكَّ فيه ولا تردُّد، وقد اتهموا به عكرمةَ بن عمار راويه، وقد ضعَّف أحاديثَه يحيى بنُ سعيد٢، وقال: ليست بصحاح، وكذلك قال أحمد بن حنبل: هي أحاديث ضعاف، وكذلك لم يُخْرِج عنه البخاريُّ، إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى بن معين: ثقة.

قال: وإنما قلنا إن هذا وهم، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش، وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصَّر، وثبتت أمُّ حبيبةَ على دينها، فبعثَ رسولُ الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه، فزوَّجه إياها، وأصْدَقها عن رسول الله ﷺ أربعة آلاف درهم، وذلك سنة سبع من الهجرة، وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها، فثَنَتْ٣ بساطَ رسولِ الله ﷺ حتى لا يجلس عليه٤.

ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يُعْرَف أن رسول الله ﷺ أمَّرَ أبا سفيان٥.

  1. (١) «كشف مشكل الصحيحين»: (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).
  2. (٢) ط. الفقي زيادة: «الأنصاري» ولا وجود لها في الأصل و(ش) ولا كتاب ابن الجوزي، مع كونها خطأ فيحيى بن سعيد هنا هو القطان وليس الأنصاري. ينظر «التهذيب»: (٧/ ٢٦٢).
  3. (٣) كذا في الأصل، وفي «المشكل»: «فتلّت»، وفي ط. الفقي: «فنحّت».
  4. (٤) هذا الخبر أخرجه ابن سعد: (١٠/ ٩٧)، وابن هشام في «السيرة»: (٢/ ٣٩٦). وعندهما: «طوَتْه».
  5. (٥) هنا ينتهي كلام ابن الجوزي.
431

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي