تهذيب السنن

يرضون بأمثالها، ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة والتأويلات الباردة، التي يكفي في العلم بفسادها تصوُّرها وتأمّل الحديث.

وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقلَّها فسادًا فهو أكْذَبُها وأبْطَلُها، وصريحُ الحديث يردُّه، فإنه قال: «أم حبيبة أزوجكها؟ قال: نعم»، فلو كان المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك ﷺ، فالحديث غلطٌ لا ينبغي التردُّد فيه، والله أعلم.

٩ - باب قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾١

١٤٨/ ٢٠٠٤ - عن عكرمة عن ابن عباس ــ قال الشيباني: وذكره عطاء أبو الحسن السُّوائي، ولا أظنه إلا عن ابن عباس ــ في هذه الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قال: كان الرجلُ إذا مات، كان أولياؤه أحقَّ بامرأته من وليِّ نفسها، إن شاء بعضهم زوَّجها أو زَوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، فنزلت هذه الآية في ذلك.

قال ابن القيم ﵀: وقد استشكل بعضُ المفسرين٢ معنى وراثتهم النساء المنهيّ عنها، حتى قال: المعنى لا يحلُّ لكم أن ترثوا نكاحهنَّ لترثوا

  1. (١) هكذا التبويب في الأصل و(ش، هـ)، وفي مطبوعة «المختصر» و«السنن»: «باب في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ ... وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
    تنبيه: من هنا إلى «باب الخلع» ساقط من نسخة المحمودية من «مختصر المنذري». وكتب في هامش (ق ٨٧ ب) بخط مغربي: «هنا نقص قدر كراسين فأكثر بين قوله: (معنا كتاب الله) وبين قوله: (باب في المملوكة تُعتق).
  2. (٢) ذكر المنذري في مختصره - خ (ق ١٧٩ ب) هذا القول عن الماوردي، ولم أجده في تفسيره المطبوع باسم «النكت والعيون»: (١/ ٤٦٥ - ٤٦٦) عند تفسير هذه الآية.
433

أموالهنّ كَرهًا. قال: وفي المراد بميراثهن [ق ٨٣] وجهان:

أحدهما: ما يصل إلى الأزواج من أموالهنّ بالموت دون الحياة، على ما يقتضيه الظاهر من لفظ الميراث.

الثاني: الوصول إلى أموالهن في الحياة وبعدها، وقد يسمّى ما وصل في الحياة ميراثًا، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١١].

وهذا تكلُّف وخروج عن مقتضى الآية١، بل الذي مُنِعوا منه: أن يجعلوا حقَّ الزوجية حقًّا موروثًا ينتقل إلى الوارث كسائر حقوقه، وهذه كانت شُبهتهم أن حقَّ الزوجية انتقل إليهم مِن موروثهم، فأبطل الله ذلك، وحكَمَ بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث، بل إذا مات الزوج كانت المرأةُ أحقَّ بنفسها، ولم يرث بُضْعَها أحدٌ، وليس البُضعُ كالمال فينتقل بالميراث.

وقوله٢: «فوَعَظَ اللهُ ذلك» فيه وجهان: أحدهما: أن يُقَدَّر فيه حرف جرّ، أي في ذلك. والثاني: أن يُضَمَّن «وعَظَ» معنى «مَنَع وحذَّر» ونحوه.

واستنبط بعضُهم من الآية أنه لا يحلّ للرجل أن يمسك امرأتَه ولا أَرَب له فيها، طمعًا أن تموت فيرث مالها، وفيه نظر٣. والله أعلم.

  1. (١) ينظر في مناقشة كلام ابن القيم «اختيارات ابن القيم وترجيحاته في التفسير» (١/ ٣٦٩ - ٣٧٤) للدكتور محمد القحطاني رسالة علمية لم تطبع.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٢٠٩١) من قول الضحّاك.
  3. (٣) في هامش الأصل و(ش) حاشية نصها: «ذكر المنذري بعضَ هذا بمعناه». وقد سبق مثلها قبل عدة أبواب، وعلقنا هناك على دلالة هذه الحاشية، فليُنظر.
434

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي