تهذيب السنن

ورسوله بريئان. فقام ناسٌ من أشجع، فيهم الجرَّاح وأبو سنان، فقالوا: يا ابن مسعود، نحن نشهدُ أن رسولَ الله ﷺ قضاها فينا، في بَرْوَعَ بنتِ واشِقٍ، وإن زوجَها هلالُ بن مُرَّة الأشجعي، كما قضيتَ. قال: ففرح عبدُ الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاءَ رسولِ الله ﷺ»١.

قال الشافعي٢ ﵁ في هذا الحديث: فإن ثبت عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا ولا حجة في قول أحدٍ دون النبي ﷺ وإن كثروا ولا في قياس فلا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي ﷺ لم يكن لأحدٍ أن يُثبِت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه بعد من وجهٍ يثبت مثله، وهو مرة يقال: عن معقل [بن يسار ومرة عن معقل] بن سنان ومرة عن بعض أشجع ولا يسمّى.

وذكر البيهقي٣ أن عبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة أهل الحديث قد رواه ــ وذكر سنده أو قال: هذا إسناد صحيح، وقد سمّى فيه معقَلَ بن سنان وهو صحابي مشهور، ورواه يزيد بن هارون ــ وهو أحد حفاظ الحديث ــ مع عبد الرحمن بن مهدي وغيره بإسنادٍ آخر صحيح ــ وذكر سنده ــ.

وقال البيهقي٤ أيضًا: وهذا الاختلاف في قصة بَرْوع بنت واشق عن النبي ﷺ لا يوهن الحديث، فإن جميع هذه الروايات أسانيدُها صحاح، وفي بعضها ما دلّ على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك، فكأنّ بعض الرواة سمّى فيهم واحدًا وبعضهم سمى آخر وبعضهم سمّى اثنين وبعضهم أطلق ولم يسمّ، وبمثله لا يُردّ

  1. (١) أخرجه أبو داود (٢١١٦)، والنسائي (٣٣٥٨)، وأحمد (٤٠٩٩ و٤٢٧٦) وإسناده صحيح.
  2. (٢) في «الأم»: (٦/ ١٧٥ - ١٧٦). وما بين المعكوفين منه.
  3. (٣) في «السنن الكبرى»: (٧/ ٢٤٥).
  4. (٤) المصدر نفسه: (٧/ ٢٤٦).
443

الحديث، ولولا ثقة من رواه عن النبي ﷺ لما كان لفرح عبد الله بن مسعود بروايته معنى. هذا آخر كلامه. وقد صحّح الحديثَ الترمذي١.

قال ابن القيم ﵀: وفيه أن الصواب في قول واحد، ولا يكون القولان المتضادان صوابًا معًا. وهو منصوص الأئمة الأربعة والسلف وأكثر الخلف.

وفيه أن الله تعالى هو الموفِّق للصواب، المُلْهِم له بتوفيقه وإعانته، وأن الخطأ من النفس والشيطان، ولا يضاف إلى الله ولا إلى رسوله. ولا حُجَّةَ فيه للقدرية المجوسية٢، إذ إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محلّه ومصدره وهو النفس، وسببه٣، وهو الشيطان وتلبيسه الحقَّ بالباطل.

بل فيه ردٌّ على القدرية الجبريّة الذين يبرِّئون النفسَ والشيطانَ مِن الأفعال البتة، ولا يرون للمكلَّف فعلًا اختياريًّا يكون صوابًا أو خطأ.

والذي دلَّ عليه قولُ ابن مسعود، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومَن بعدهم: وهو إثبات القَدَر، الذي هو نظام التوحيد، وإثباتِ فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر والنهي، وهو متعلَّق المدح والذم، والثواب والعقاب، والله أعلم.

١٤ - باب في خُطْبة النكاح

١٥٤/ ٢٠٣٢ - وعن أبي الأحوص وأبي عُبيدة عن عبد الله قال: «علّمنا

  1. (١) كلام المنذري بطوله ليس في مطبوعة المختصر وهو في المخطوط (ق ١٨٢ أ) نسخة دار الكتب. وله بقية لكن المؤلف نقل منه إلى هنا فقط.
  2. (٢) ط. المعارف: «والمجوسية» والواو مضروب عليها في الأصل، وليست في (ش).
  3. (٣) ط. الفقي: «وشبهها»!
444

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي