تهذيب السنن

تَنَفَّشَ١ ما كان في الظاهر حملًا، وتَعْلق منه فيظنّه عبده وهو ولده، فيستخدمه استخدام العبد، وينفيه عنه. وهذان الوجهان ذكر معناهما المنذري٢.

قال ابن القيم ﵀: وهذا القول ضعيف، فإن النبيَّ ﷺ جمعَ بين إنكار الأمرين: استخدامه واستلحاقه، وقد جاء: «كيف يستعبده ويورّثه؟»٣ ومعلوم أن استلحاقه واستعباده جَمْعٌ بين المتناقضَيْن، وكذا إذا تفشَّى الذي هو حَمْل في الظاهر وعَلِقَتْ منه لا يتصوّر فيه الاستلحاق والاستعباد. فالصواب القول الثاني، وهو أنه إذا وطئها حاملًا صار في الحمل جزء منه. فإن الوطء يزيد في تخليقه، وهو قد علم أنه عبدٌ له، فهو باق٤ على أن يستعبده ويجعله كالمال الموروث عنه، فيورثه أي يجعله مالًا موروثًا عنه. وقد صار فيه جزء من الأب.

قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره٥. وقد صرَّح النبيُّ ﷺ

  1. (١) كذا رسمها في الأصل و(ش) لم يعجم من حروفها إلا الفاء. وفي (خ- المختصر): «ينفش». وتنفّش أي: انتشر وتفرَّق. وكان يمكن أن تقرأ «تفشى» كما سيأتي بعد أسطر لولا أنها واضحة الرسم.
  2. (٢) (خ- المختصر) (ق ١٨٥ ب)، وليس في المطبوع من «المختصر» تعليق للمنذري، وقد سقطت من مطبوعته نصوص كثيرة نبهنا عليها فيما مضى. وهذان الوجهان ذكرهما الخطابي في «المعالم»: (٢/ ٦١٤).
  3. (٣) أخرجه بنحوه الطحاوي في «بيان المشكل» (١٤٢٤) من طريق أسد بن وداعة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفيه: «ويحه أيُوَرِّثه وليس منه أو يستعبده ...».
  4. (٤) رسمها في الأصل و(ش): «بان».
  5. (٥) ينظر «زاد المعاد»: (٥/ ١٤١)، و«المبدع»: (٦/ ٣٤٤). وقد جاء ذلك في حديث رجاء بن حيوة عن أبيه عن جده: «كيف يصنع بولدها ... أم يستعبده وهو يغذو في سمعه وبصره ...» أخرجه الطبراني في «الكبير»: (٢٢/ ٣٠٢)، ونحوه في حديث أسد بن وداعة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: «وقد غذاه في سمعه وبصره» أخرجه الطحاوي في «بيان المشكل» (١٤٢٤)، وفي مرسل عبد الرحمن بن جبير: «وقد غذوت [تصحفت إلى: غَدَرت] في سمعه وبصره» أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٢١٩).
459

بهذا المعنى في قوله: «لا يحلّ لرجلٍ أن يسقي ماءَه زرعَ غيرِه»١. ومعلوم أن الماء الذي يُسْقى به الزرع يزيد فيه، ويتكوّن الزرع منه، وقد شبَّه وطءَ الحامل بساقي الزرع الماءَ، وقد جعل الله ﵎ محلّ الوطء حرثًا، وشبَّه النبيُّ ﷺ الحملَ بالزرع، ووطء الحامل بسَقْي الزرع.

وهذا دليلٌ ظاهر جدًّا على أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تُعْلَم براءةُ رَحِمها، إما بثلاث حِيَض، أو بحيضة، والحيضة أقوى؛ لأن الماء الذي مِن الزنا والحمل، وإن لم يكن له حُرْمة، فَلِماء الزوج حُرْمة، وهو لا يحلّ له أن ينفي عنه ما قد يكون مِن مائه ووطئه، وقد صار فيه جزءٌ منه، كما لا يحلّ لواطئ المسبية الحامل ذلك، ولا فرق بينهما.

ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه: إنه إذا تزوَّج الأمةَ وأحْبَلَها ثم مَلَكها حاملًا= أنه إن وطئها صارت أمَّ ولدٍ له، تُعْتَق بموته، لأن الولد قد يلحق من مائه الأول والثاني٢، والله أعلم.

  1. (١) أخرجه أبو داود (٢١٥٨)، والترمذي (١١٣١) وحسّنه، وابن حبان (٤٨٥٠) من حديث رُوَيفع بن ثابت الأنصاري ﵁.
  2. (٢) ينظر: «المغني»: (١٤/ ٥٨٩)، و«المبدع»: (٦/ ٣٧١).
460

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي