أو يعمل هذا مسلم؟! فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يَسار: أنه سأل ابنَ عمر عنه؟ فقال: لا بأس به».
فقد صحَّ عن ابن عمر أنه فسَّر الآيةَ بالإتيان في الفَرْج من ناحية الدُّبُر، وهو الذي رواه عنه نافع، وأخطأ مَن أخطأ على نافع، فتوهَّم أن الدبرَ محلٌّ للوطء لا طريق إلى وطء الفرج، فكذَّبهم نافعٌ.
وكذلك مسألة الجواري، إن كان قد حُفِظ عن ابن عمر أنه رخَّص في الإحماض لهنّ، فإنما مراده إتيانهنَّ من طريق الدُّبُر، فإنه قد صرَّح في الرواية الأخرى بالإنكار على مَن وطئهنّ في الدبر، وقال «أوَيفعَلُ هذا مسلم»؟! فهذا يبين تصادُقَ الروايات وتوافقَها عنه.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه النسائي١ من حديث سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر: «أن رجلًا أتى امرأتَه في دُبُرها في عهد رسول الله ﷺ فوَجَد من ذلك وَجْدًا شديدًا، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾[البقرة:٢٢٣]»؟
قيل: هذا غلط بلا شك، غلط فيه سليمان بن بلال، أو ابن أبي أويس راويه عنه، وانقلبت عليه لفظة «من» بلفظة «في» وإنما هو «أتى امرأةً مِن دبرها»، ولعل هذه هي قصة عمر بن الخطاب بعينها لما حوَّل رَحْلَه، ووجد من ذلك وجدًا شديدًا، فقال لرسول الله ﷺ: «هلكتُ»، وقد تقدمت٢. أو يكون بعض الرواة ظنَّ أن ذلك هو الوطء في الدُّبُر فرواه بالمعنى الذي ظنَّه.
(١) في «الكبرى» (٨٩٣٢).
(٢) تقدم تخريجه.
مع أن هشام بن سعد قد خالف سليمانَ في هذا، فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا١.
والذي يبيِّن هذا ويزيدُه وضوحًا: أن هذا الغلط قد عرضَ مثلُه لبعض الصحابة حين أفتاه النبيُّ ﷺ بجواز الوطء في قُبُلها مِن دُبرها، حتى بيّن له ﷺ ذلك بيانًا شافيًا.
قال الشافعي٢: أخبرني عَمِّي قال: أخبرني عبد الله بن عليّ بن السائب، عن عَمرو بن أُحَيحة بن الجُلَاح، أو عن عَمرو بن فلان بن أُحَيحة ــ قال الشافعي: أنا شككتُ ــ عن خُزيمة بن ثابت: «أن رجلًا سألَ النبيَّ ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن، أو إتيان الرجل امرأتَه في دُبُرها فقال النبي ﷺ: «حلال»، فلما ولى الرجل دعاه، أو أَمَر به فدُعِي، فقال: «كيف قلتَ؟ في أيّ الخَرْبتين، أو في أيّ الخَرْزتين، أو في أيّ الخَصْفَتين٣؟ أمِنْ دُبرها في قُبُلها فنعم، أم مِن دُبُرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحيي من الحقّ، لا تأتوا النساءَ في أدبارهنَّ».
قال الشافعي٤: عمِّي ثقة، وعبد الله بن عليّ ثقة، وقد أخبرني محمد ــ وهو عمّه محمد بن علي ــ عن الأنصاري المحدِّثُ به أنه أثنى عليه خيرًا، وخزيمة ممن لا يشكّ عالمٌ في ثقته٥. والأنصاريُّ الذي أشار إليه هو
(١) ذكره النسائي في «الكبرى» عقب الحديث (٨٩٣٢).
(٢) في «الأم»: (٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦) ــ وهو في «مسنده» (ص ٢٧٥) ــ والبيهقي: (٧/ ١٩٦).
(٣) أي الثقبين، والثلاثة بمعنى واحد. ينظر «النهاية»: (٢/ ١٨) لابن الأثير.