تهذيب السنن

مع أن هشام بن سعد قد خالف سليمانَ في هذا، فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا١.

والذي يبيِّن هذا ويزيدُه وضوحًا: أن هذا الغلط قد عرضَ مثلُه لبعض الصحابة حين أفتاه النبيُّ ﷺ بجواز الوطء في قُبُلها مِن دُبرها، حتى بيّن له ﷺ ذلك بيانًا شافيًا.

قال الشافعي٢: أخبرني عَمِّي قال: أخبرني عبد الله بن عليّ بن السائب، عن عَمرو بن أُحَيحة بن الجُلَاح، أو عن عَمرو بن فلان بن أُحَيحة ــ قال الشافعي: أنا شككتُ ــ عن خُزيمة بن ثابت: «أن رجلًا سألَ النبيَّ ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن، أو إتيان الرجل امرأتَه في دُبُرها فقال النبي ﷺ: «حلال»، فلما ولى الرجل دعاه، أو أَمَر به فدُعِي، فقال: «كيف قلتَ؟ في أيّ الخَرْبتين، أو في أيّ الخَرْزتين، أو في أيّ الخَصْفَتين٣؟ أمِنْ دُبرها في قُبُلها فنعم، أم مِن دُبُرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحيي من الحقّ، لا تأتوا النساءَ في أدبارهنَّ».

قال الشافعي٤: عمِّي ثقة، وعبد الله بن عليّ ثقة، وقد أخبرني محمد ــ وهو عمّه محمد بن علي ــ عن الأنصاري المحدِّثُ به أنه أثنى عليه خيرًا، وخزيمة ممن لا يشكّ عالمٌ في ثقته٥. والأنصاريُّ الذي أشار إليه هو

  1. (١) ذكره النسائي في «الكبرى» عقب الحديث (٨٩٣٢).
  2. (٢) في «الأم»: (٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦) ــ وهو في «مسنده» (ص ٢٧٥) ــ والبيهقي: (٧/ ١٩٦).
  3. (٣) أي الثقبين، والثلاثة بمعنى واحد. ينظر «النهاية»: (٢/ ١٨) لابن الأثير.
  4. (٤) في «الأم»: (٦/ ٤٤٤).
  5. (٥) سيأتي بقية كلامه (ص ٤٦٨).
466

عَمرو بن أُحَيحة.

فوقع الاشتباه في كون الدُّبُر طريقًا إلى موضع الوطء، أو هو مأْتَى. واشتبه على من اشتبه عليه معنى «من» بمعنى «في» فوقع الوهم.

فإن قيل: فما تقولون فيما رواه البيهقي١ عن الحاكم: حدثنا الأصم قال: سمعتُ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعيَّ يقول: ليس فيه عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديثٌ ثابت، والقياس أنه حلال، وقد غلط سفيانُ في حديث ابن الهاد ــ يريد حديثَه عن عُمارة بن خزيمة عن أبيه يرفعه: «إن الله لا يستحيي من الحقِّ، لا تأتوا النساءَ في أدبارهنّ»٢، ويريد بغَلَطِه: أن ابن الهاد قال فيه مرةً: عن عبيد الله بن عبد الله بن حصين، عن هَرَميّ بن عبد الله الواقفي، عن خُزَيمة.

ثم اخْتُلف فيه عن عبيد الله. فقيل: عنه عن عبد الملك بن عَمْرو بن قيس الخَطْمي، عن هَرَمي، عن خُزيمة. وقيل: عن عبد الله بن هَرَمي، فمداره على هَرَميّ بن عبد الله، عن خزيمة، وليس لعمارة بن خزيمة فيه أصل إلا من حديث ابن عيينة. وأهلُ العلم بالحديث يروونه خطأ. هذا كلام البيهقي.

قيل٣: هذه الحكاية مختصرة من مناظرة حكاها الشافعي، [ق ٨٩] جَرَت بينَه وبينَ محمد بن الحسن، وفي سياقها دلالة على أنه إنما قصد الذبَّ عن أهل المدينة على طريق الجَدَل، فأما هو فقد نصّ في كتاب عِشْرة

  1. (١) في «معرفة السنن والآثار»: (٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) هذا الجواب للبيهقي في المصدر السالف (٥/ ٣٣٦) كما سيذكر المؤلف في آخره.
467

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي