تهذيب السنن

فتاةٌ على إحدى ركبتيها، وتَطاوَلَت لرسول الله ﷺ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله، إنهم لَيَتَحَدَّثُون، وإنَّهُنَّ لَيَتَحَدَّثْنَه، فقال: «هل تدرون ما مَثَل ذلك؟»، فقال: «إنما مَثَل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السِّكَّة فقضى منها حاجته والناسُ ينظرون إليه، ألا إنَّ طِيبَ الرِّجال ما ظهر ريحُهُ ولم يَظْهَر لَوْنه، ألا إن طيبَ النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه».

قال أبو داود: ومن ههنا حفظته عن مؤمَّل وموسى: «ألَا لا يُفْضِيَنَّ رجلٌ إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا إلى ولد أو والد، وذكر ثالثةً، فنسيتها».

وأخرجه الترمذي والنسائي١ مختصرًا بقصة الطيب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، إلا أن الطُّفاوي لا نعرفه إلا من هذا الحديث، ولا يعرف اسمه. وقال أبو الفضل محمد بن طاهر: والطفاوي مجهول. هذا آخر كلامه. وذكر أبو موسى الأصبهاني أنه مرسل، وفيما قاله نظر، وإنما هي رواية مجهول. وقد سمى الحاكم أبو عبد الله وغيره رواية المجهول منقطعةً، فيحتمل أن يكون أبو موسى سلك طريقهم، وخالفهم غيرهم في ذلك. وقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشرّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها»، وسيجيء في كتاب الأدب إن شاء الله.

قال ابن القيم ﵀: وقوله في الحديث: «وليصفق النساء» دليل على أن قوله في حديث سهل بن سعد المتفق عليه «التصفيق للنساء»٢ أنه إذنٌ

  1. (١) أخرجه أبو داود (٢١٧٤)، والترمذي (٢٩٩٤)، والنسائي في «الكبرى» (٩٣٤٨)، وأحمد (١٠٩٧٧).
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٢٠٤)، ومسلم (٤٢١).
480

وإباحة لهنَّ في التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب، لا أنه عيب وذم.

قال الشافعي: حكم النساء التصفيق، وكذا قاله أحمد. وذهب مالكٌ إلى أن المرأةَ لا تصفّق وأنها تسبِّح١. واحتجّ له الباجيُّ٢ وغيره بقوله ﷺ: «مَن نابه شيء في صلاته فليسبِّح»٣ قالوا: وهذا عام في الرجال والنساء. قالوا: وقوله «التصفيق للنساء» هو على طريق الذمّ والعيب لهنّ، كما يقال: كفرانُ العشيرِ مِنْ فِعْل النساء.

وهذا باطل من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن في نفس الحديث تقسيم التسبيح بين الرجال والنساء، وإنما ساقه في معرض التقسيم وبيان اختصاص كلّ نوع بما يصلح له، فالمرأة لما كان صوتها عورةً مُنِعَت من التسبيح، وجُعِل لها التصفيق، [ق ٩١] والرجل لمّا خالفها في ذلك شُرِع له التسبيح.

الثاني: أن في «الصحيحين»٤ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء». فهذا التقسيم والتنويع صريح في أن حكم كلِّ نوعٍ ما خَصَّه به. وخرَّجه مسلم بهذا اللفظ، وقال في آخره: «في الصلاة».

  1. (١) ينظر «المغني»: (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠)، و«التهذيب في اختصار المدونة»: (١/ ٢٦٩)، و«نهاية المطلب»: (٢/ ١٨٩ - ١٩٠).
  2. (٢) لم يذكره في «المنتقى».
  3. (٣) أخرجه البخاري (١٢١٨)، ومسلم (٤٢١/ ١٠٢).
  4. (٤) أخرجه البخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢).
481

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي