تهذيب السنن

قاضيًا في حكم الاختيار، وإن كان لازمًا له على سبيل الكراهة، والله أعلم.

قال ابن القيم ﵀: وقد أخرج مسلم في «صحيحه»١ حديث أبي الزبير هذا بحروفه إلا أنه لم يقل: «ولم يرها شيئًا» بل قال: «فردَّها»، وقال: «إذا طَهُرَت» إلى آخره.

وقد دلَّ حديثُ ابن عمر هذا على أمورٍ، منها: تحريم الطلاق في الحيض.

ومنها: أنه حُجَّة لمن قال بوقوعه، قالوا: لأن الرجعة إنما تكون بعد الطلاق.

ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا معنى لوقوع الطلاق والأمر بالمراجعة، فإنه لو لم يعدّ الطلاق لم يكن لأمره بالرجعة معنى، بل أمْرُه بارتجاعها، وهو ردّها إلى حالها الأولى قبل تطليقها، دليلٌ على أن الطلاق لم يقع.

قالوا: وقد صرَّح بهذا في حديث أبي الزبير المذكور آنفًا. قالوا: وأبو الزبير ثقة في نفسه صدوق حافظ، إنما تُكُلِّم في بعض ما رواه عن جابر معنعنًا لم يصرح بسماعه منه، وقد صرَّح في هذا الحديث بسماعه من ابن عمر، فلا وجه لرده.

قالوا: ولا يناقض حديثُه ما تقدَّم من قول ابن عمر فيه وقولَه: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق»، وقوله: «فحُسِبَت مِن طلاقها»، لأنه ليس في ذلك لفظ مرفوع إلى النبي ﷺ. وقوله: «ولم يرها شيئًا» مرفوع صريح في عدم الوقوع.

  1. (١) (١٤٧١).
485

قالوا: وهذا مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن الطلاق لمّا كان منقسمًا إلى حلال وحرام، كان قياس قواعد الشرع أن حرامه باطل غير معتدٍّ به، كالنكاح وسائر العقود التي تنقسم إلى حلال وحرام، ولا يَرِد على ذلك الظِّهار، فإنه لا يكون قطّ إلا حرامًا، لأنه منكرٌ من القول وزور، فلو قيل: لا يصح، لم يكن للظهار حكم أصلًا.

قالوا: وكما أن قواعد الشريعة أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد، وليس معنا ما يستدلُّ به على فساد العقد إلا النهي عنه.

قالوا: ولأنّ هذا طلاقٌ مَنَع منه صاحبُ الشرع، وحَجَر على العبد في إيقاعه، فكما أفاد منعه وحجره عدم جواز الإيقاع أفاد عدمَ نفوذِه، وإلّا لم يكن للحَجْر فائدة، وإنما فائدة الحَجْر عدم صحة ما حُجِر على المكلَّف فيه.

قالوا: ولأن الزوج لو أذن لرجلٍ بطريق الوكالة أن يطلِّق امرأتَه طلاقًا معيَّنًا، فطلَّق غير ما أُذِنَ له فيه، لم ينفذ لعدم إذنه. والله سبحانه إنما أذن للعبد في الطلاق المباح، ولم يأذن له في المحرَّم، فكيف تصححون ما لم يأذن به وتوقعونه، وتجعلونه من صحيح أحكام الشرع؟!

قالوا: ولأنه لو كان الطلاق نافذًا في الحيض لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيرًا من الطلاق البغيض إلى الله، وتقليلًا لما بقي من عدده الذي يتمكَّن من المراجعة معه. ومعلومٌ أنه لا مصلحة في ذلك.

قالوا: وإن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض، لو كان واقعًا، لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرَّة التي تلمُّ شَعَث النكاح، وترقع خرقه. فأما رجعة يَعْقُبها طلاق، فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول، لو كان واقعًا.

486

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي