تهذيب السنن

قالوا: وأيضًا فما حرَّمه الله سبحانه من العقود، فهو مطلوبُ الإعدامِ بكلِّ طريق حتى يُجْعَل وجودُه كعدمه في حكم الشرع، ولهذا كان ممنوعًا مِن فِعْله، باطلًا في حكم الشرع، والباطل شرعًا كالمعدوم. ومعلومٌ أن هذا هو مقصود الشارع مما حرَّمه ونَهَى عنه، فالحكم ببطلان ما حرَّمه ومَنَع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب، بخلاف ما إذا صحح، فإنه يثبت له حكم الموجود.

قالوا: ولأنه إذا صحّح استوى هو والحلال في الحكم الشرعي، وهو الصحة. وإنما يفترقان في موجَب ذلك من الإثم والذمّ، ومعلومٌ أن الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرَّم الممنوع منه البتة.

قالوا: وأيضًا فإنما حُرِّم لئلا ينفذ ولا يصح، فإذا نفذ وصح وترتَّب عليه حكم الصحيح، كان ذلك عائدًا على مقتضى النهي بالإبطال.

قالوا: وأيضًا فالشارع إنما حَرَّمه ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه، فإن ما نَهَى عنه الشرعُ وحرَّمه لا يكون قطّ إلا مشتملًا عن مفسدة خالصة أو راجحة، فنهى عنه قصدًا لإعدام تلك المفسدة. فلو حُكِم بصحته ونفوذه لكان ذلك تحصيلًا للمفسدة التي قَصَد الشارعُ إعدامَها، وإثباتًا لها.

قالوا: وأيضًا فالعقد الصحيح هو الذي يترتَّب عليه أثره ويحصل منه مقصوده. وهذا إنما يكون في العقود التي أَذِنَ فيها الشارع، وجعلَها أسبابًا لترتُّب آثارها عليها، فما لم يأذن فيه ولم يشرعه كيف يكون سببًا لترتُّب آثاره عليه، ويُجْعَل كالمشروع المأذون في ذلك؟!

قالوا: وأيضًا فالشارع إنما جَعَل للمكلف مباشرةَ الأسباب فقط، وأما

487

أحكامها المُرَتّبة١ عليها فليس إلى المكلَّف، وإنما هو إلى الشارع، فهو نصبَ الأسبابَ وجعلَها مقتضياتٍ لأحكامها، وجعل السببَ مقدورًا للعبد، فإذا باشره رتَّب عليه الشارعُ أحكامَه. فإذا كان السببُ محرّمًا كان ممنوعًا منه ولم يَنْصبه الشارعُ مقتضيًا لآثار السبب المأذون فيه، والحكمُ ليس إلى المكلَّف حتى يكون إيقاعه إليه والسبب الذي إليه غير مأذون فيه، ولا نَصَبه الشارعُ لترتُّب الآثارِ عليه، فَتَرتُّبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه، وهو قياسٌ في غاية الفساد، إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسوية بينهما في الحكم، ولا يخفى فساده.

قالوا: وأيضًا فصِحَّة العقد هو عبارة عن ترتُّب أثره المقصود للمكلَّف عليه، وهذا الترتيب نعمة من الشارع أنعم بها على العبد، وجعل له طريقًا إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها، فإذا كان السببُ محرّمًا منهيًّا عنه كان مباشرته معصيةً، فكيف تكون المعصية سببًا لترتُّب النعمة التي قَصَد المكلَّفُ حصولَها؟!

قالوا: وقد علَّل مَن أوقع الطلاقَ وأوجبَ الرجعةَ، إيجاب الرجعة بهذه العلة بعينها، وقالوا: أوجَبْنا عليه الرجعةَ معاملةً له بنقيضِ قصدِه، فإنه ارتكبَ أمرًا محرَّمًا يقصد به الخلاص من الزوجة، فعُومِل بنقيض قصده، فأُمِر برجعتها.

قالوا: فما جعلتموه أنتم علةً لإيجاب الرجعة، فهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قَصَده المكلّف بارتكابه ما حَرّم الله عليه. ولا ريب أن دَفْع وقوع الطلاق أسهل من رفعه بالرجعة، فإذا اقتضت هذه العلة رفع أثر

  1. (١) في الطبعتين: «المترتبة» خلاف الأصل و(هـ، ش).
488

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي