تهذيب السنن

أحكامها المُرَتّبة١ عليها فليس إلى المكلَّف، وإنما هو إلى الشارع، فهو نصبَ الأسبابَ وجعلَها مقتضياتٍ لأحكامها، وجعل السببَ مقدورًا للعبد، فإذا باشره رتَّب عليه الشارعُ أحكامَه. فإذا كان السببُ محرّمًا كان ممنوعًا منه ولم يَنْصبه الشارعُ مقتضيًا لآثار السبب المأذون فيه، والحكمُ ليس إلى المكلَّف حتى يكون إيقاعه إليه والسبب الذي إليه غير مأذون فيه، ولا نَصَبه الشارعُ لترتُّب الآثارِ عليه، فَتَرتُّبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه، وهو قياسٌ في غاية الفساد، إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسوية بينهما في الحكم، ولا يخفى فساده.

قالوا: وأيضًا فصِحَّة العقد هو عبارة عن ترتُّب أثره المقصود للمكلَّف عليه، وهذا الترتيب نعمة من الشارع أنعم بها على العبد، وجعل له طريقًا إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها، فإذا كان السببُ محرّمًا منهيًّا عنه كان مباشرته معصيةً، فكيف تكون المعصية سببًا لترتُّب النعمة التي قَصَد المكلَّفُ حصولَها؟!

قالوا: وقد علَّل مَن أوقع الطلاقَ وأوجبَ الرجعةَ، إيجاب الرجعة بهذه العلة بعينها، وقالوا: أوجَبْنا عليه الرجعةَ معاملةً له بنقيضِ قصدِه، فإنه ارتكبَ أمرًا محرَّمًا يقصد به الخلاص من الزوجة، فعُومِل بنقيض قصده، فأُمِر برجعتها.

قالوا: فما جعلتموه أنتم علةً لإيجاب الرجعة، فهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قَصَده المكلّف بارتكابه ما حَرّم الله عليه. ولا ريب أن دَفْع وقوع الطلاق أسهل من رفعه بالرجعة، فإذا اقتضت هذه العلة رفع أثر

  1. (١) في الطبعتين: «المترتبة» خلاف الأصل و(هـ، ش).
488

الطلاق بالرجعة، فلَأَنْ تقتضي دفعَ وقوعِه أولى وأحْرَى.

قالوا: وأيضًا فللّه تعالى في الطلاق المباح حكمان:

أحدهما: إباحته والإذن فيه.

والثاني: جعله سببًا للتخلُّص من الزوجة.

فإذا لم يكن الطلاقُ مأذونًا فيه انتفى الحكم الأول، وهو الإباحة، فما الموجب لبقاء الحكم الثاني، وقد ارتفع سبَبُه؟! ومعلومٌ أن بقاء الحكم بدون سببه ممتنع، ولا تصح دعوى أن الطلاقَ المحرّم سببٌ لما تقدم.

قالوا: وأيضًا فليس في لفظ الشارع «يصح كذا، ولا يصح» وإنما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه، فما أطلقَه وأباحَه، فباشَرَه المكلَّفُ حُكِم بصحّته، بمعنى أنه وافق أمر الشارع فصحّ، وما لم يأذن فيه ولم يطلقه، فباشَرَه المكلَّف حُكِم بعدم صِحَّته، بمعنى أنه خالف أمر الشارع وحكمه.

وليس معنا ما يُسَتدلُّ به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما. فإن حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته، لم يبقَ طريقٌ إلى معرفة الصحيح من الفاسد، إذ لم يأت مِن الشرعِ إخبارٌ بأنَّ هذا صحيح وهذا فاسد غير الإباحة والتحريم، فإذا جَوَّزتم ثبوتَ الصحة مع التحريم، فبأيِّ شيء تستدلون بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه؟!

قالوا: وأيضًا فإن النبيَّ ﷺ قال: «كلُّ عَمَلٍ ليس عليه أَمْرُنا فهو ردّ»١،

  1. (١) لم أجده بهذا اللفظ، وقد ذكره ابن القيم في عدد من كتبه هكذا، وذكره غيره من المصنفين قبله وبعده كذلك، وكأنهم ذكروه بمعناه.
489

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي