تهذيب السنن

الطلاق بالرجعة، فلَأَنْ تقتضي دفعَ وقوعِه أولى وأحْرَى.

قالوا: وأيضًا فللّه تعالى في الطلاق المباح حكمان:

أحدهما: إباحته والإذن فيه.

والثاني: جعله سببًا للتخلُّص من الزوجة.

فإذا لم يكن الطلاقُ مأذونًا فيه انتفى الحكم الأول، وهو الإباحة، فما الموجب لبقاء الحكم الثاني، وقد ارتفع سبَبُه؟! ومعلومٌ أن بقاء الحكم بدون سببه ممتنع، ولا تصح دعوى أن الطلاقَ المحرّم سببٌ لما تقدم.

قالوا: وأيضًا فليس في لفظ الشارع «يصح كذا، ولا يصح» وإنما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه، فما أطلقَه وأباحَه، فباشَرَه المكلَّفُ حُكِم بصحّته، بمعنى أنه وافق أمر الشارع فصحّ، وما لم يأذن فيه ولم يطلقه، فباشَرَه المكلَّف حُكِم بعدم صِحَّته، بمعنى أنه خالف أمر الشارع وحكمه.

وليس معنا ما يُسَتدلُّ به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما. فإن حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته، لم يبقَ طريقٌ إلى معرفة الصحيح من الفاسد، إذ لم يأت مِن الشرعِ إخبارٌ بأنَّ هذا صحيح وهذا فاسد غير الإباحة والتحريم، فإذا جَوَّزتم ثبوتَ الصحة مع التحريم، فبأيِّ شيء تستدلون بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه؟!

قالوا: وأيضًا فإن النبيَّ ﷺ قال: «كلُّ عَمَلٍ ليس عليه أَمْرُنا فهو ردّ»١،

  1. (١) لم أجده بهذا اللفظ، وقد ذكره ابن القيم في عدد من كتبه هكذا، وذكره غيره من المصنفين قبله وبعده كذلك، وكأنهم ذكروه بمعناه.
489

وفي لفظٍ: «مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ»١. والرّدُّ فَعْل بمعنى المفعول، أي: فهو مردود، وعَبَّر عن المفعول بالمصدر مبالغةً، حتى كأنه نفس الردّ.

وهذا تصريح بإبطالِ كلِّ عملٍ على خلاف أمره، وردّه وعدم اعتباره في حكمه المقبول. ومعلومٌ أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه ردًّا أبلغ من كونه باطلًا، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه، أو لما منفعتُه قليلة جدًّا، وقد يُقال لما يُنتفَع به ثم يبطل نفعُه، وأما المردود فهو الذي لم يُجْدِ٢ شيئًا ولم يترتَّب عليه مقصودُه أصلًا.

قالوا: فالمطلِّق في الحيض قد طلّق طلاقًا ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا، فلو صحّ ولزم لكان مقبولًا منه، وهو خلاف النص.

قالوا: وأيضًا فالشارع أباح للمكلَّف مِن الطلاق قدرًا معلومًا في زمن مخصوص، ولم يُمَلِّكه أن يتعدَّى القدرَ الذي حُدَّ له، ولا الزمنَ الذي عُيِّن له، فإذا تعدَّى ما حُدَّ له من العدد كان لغوًا باطلًا، فكذلك إذا تعدَّى ما حُدَّ له من الزمان يكون لغوًا باطلًا، وإلّا٣ فكيف يكونُ عدوانه في الوقت صحيحًا معتبرًا لازمًا، وعدوانه في العدد لغوًا باطلًا؟

  1. (١) أخرجه مسلم (١٧١٨/ ١٨) من حديث عائشة ﵂. وأخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٧) من حديثها أيضًا بلفظ: «مَن أحْدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
  2. (٢) ط. الفقي: «يجعله».
  3. (٣) سقطت «وإلا» من الطبعتين، وهي في (هـ، ش)، وملحقه في الأصل فوق «فكيف» مصححًا عليها».
490

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي