تهذيب السنن

وفي لفظٍ: «مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ»١. والرّدُّ فَعْل بمعنى المفعول، أي: فهو مردود، وعَبَّر عن المفعول بالمصدر مبالغةً، حتى كأنه نفس الردّ.

وهذا تصريح بإبطالِ كلِّ عملٍ على خلاف أمره، وردّه وعدم اعتباره في حكمه المقبول. ومعلومٌ أن المردود هو الباطل بعينه، بل كونه ردًّا أبلغ من كونه باطلًا، إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه، أو لما منفعتُه قليلة جدًّا، وقد يُقال لما يُنتفَع به ثم يبطل نفعُه، وأما المردود فهو الذي لم يُجْدِ٢ شيئًا ولم يترتَّب عليه مقصودُه أصلًا.

قالوا: فالمطلِّق في الحيض قد طلّق طلاقًا ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردودًا، فلو صحّ ولزم لكان مقبولًا منه، وهو خلاف النص.

قالوا: وأيضًا فالشارع أباح للمكلَّف مِن الطلاق قدرًا معلومًا في زمن مخصوص، ولم يُمَلِّكه أن يتعدَّى القدرَ الذي حُدَّ له، ولا الزمنَ الذي عُيِّن له، فإذا تعدَّى ما حُدَّ له من العدد كان لغوًا باطلًا، فكذلك إذا تعدَّى ما حُدَّ له من الزمان يكون لغوًا باطلًا، وإلّا٣ فكيف يكونُ عدوانه في الوقت صحيحًا معتبرًا لازمًا، وعدوانه في العدد لغوًا باطلًا؟

  1. (١) أخرجه مسلم (١٧١٨/ ١٨) من حديث عائشة ﵂. وأخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٧) من حديثها أيضًا بلفظ: «مَن أحْدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
  2. (٢) ط. الفقي: «يجعله».
  3. (٣) سقطت «وإلا» من الطبعتين، وهي في (هـ، ش)، وملحقه في الأصل فوق «فكيف» مصححًا عليها».
490

قالوا: وهذا كما أن الشارع حَدَّ له عددًا من النساء معيَّنًا في وقت معيَّن، فلو تعدَّى ما حُدّ له من العدد كان لغوًا وباطلًا. وكذلك لو تعدَّى ما حُدّ له من الوقت، بأن ينكحها قبل انقضاء العدة مثلًا، أو في وقت الإحرام، فإنه يكون لغوًا و١ باطلًا. فقد شمل البطلانُ نوعَي التعدِّي عددًا و٢ وقتًا.

قالوا: وأيضًا فالصحةُ إما أن تُفَسَّر بموافقة أمر الشارع، وإما أن تفسَّر بترتُّب أثر [ق ٩٣] الفعل عليه، فإن فُسِّرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكنًا، وإن فُسِّرت بالثاني وجبَ أيضًا أن لا يكون العقد المحرَّم صحيحًا، لأن ترتُّب الثمرة على العقد إنما هو بجعل الشارع العقد كذلك، ومعلومٌ أنه لم يعتبر العقْدَ المحرَّمَ، ولم يجعله مثمرًا لمقصوده، كما مرَّ تقديره.

قالوا: وأيضًا فوَصْف العقد المحرَّم بالصحة، مع كونه مَنْشأ المفسدة، ومشتملًا على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده، جَمْعٌ بين النقيضين، فإن الصحة إنما تنشأ عن المصلحة، والعقد المحرَّم لا مصلحة فيه، بل هو مُنشئ لمفسدةٍ خالصة أو راجحة. فكيف تنشأ الصحةُ مِن شيء هو مَنْشأ المفسدة.

قالوا: وأيضًا فوصف العقد المحرَّم بالصحة إما أن يُعْلَم من نَصّ الشارع، أو مِن قياسه، أو مِن توارد عُرْفِه في محالّ حكمه بالصحة، أو من إجماع الأمة.

ولا يمكن إثبات شيء من ذلك في محلّ النزاع، بل نصوص الشّرْع

  1. (١) سقطت الواو من ط. المعارف.
  2. (٢) في الطبعتين: «أو» خلاف الأصل و(هـ، ش).
491

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي