تهذيب السنن

تقتضي ردَّه وبطلانه، كما تقدم. وكذلك قياس الشريعة كما ذكرناه، وكذلك استقراء موارد عُرف الشرع في محالّ الحكم بالصحة، إنما يقتضي البطلان في العقد المحرَّم لا الصحة. وكذلك الإجماع، فإن الأمةَ لم تُجْمِع قطّ ــ ولله الحمد ــ على صحة شيء حَرَّمه الله ورسوله، لا في هذه المسألة ولا في غيرها، فالحكم بالصحة فيها إلى أيّ دليلٍ يستند؟

قالوا: وأما قول النبي ﷺ: «مُرْه فليراجعها» فهذا حُجَّة لنا على عدم الوقوع، لأنه لَمّا طلَّقها ــ والرجلُ مِن عادته إذا طلقَ امرأتَه أن يخرجها عنه ــ أمَرَه بأن يراجعها ويمسكها، فإنَّ هذا الطلاقَ الذي أوْقَعَه ليس بمعتبر شرعًا، ولا تخرج المرأة عن الزوج بسببه، فهو كقوله ﷺ لبشير بن سعد في قصة نَحْلِه ابنَه النعمانَ غلامًا: «رُدَّه»١. ولا يدلّ أمْرُه إياه برَدِّه على أن الولد قد مَلَك الغلام، وأن الردَّ إنما يكون بعد الملك، فكذلك أَمْره بردِّ المرأة ورجعتها لا يدلّ على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق، بل لمّا ظنَّ ابنُ عمر جوازَ هذا الطلاق فأقْدَم عليه قاصدًا لوقوعه، ردَّ إليه النبي ﷺ امرأتَه، وأمره أن يردَّها.

وردُّ الشيء إلى مِلْك مَن أخرجه لا يستلزم خروجَه عن ملكه شرعًا، كما تُرَدُّ العينُ المغصوبة إلى مالكها، ويقال للغاصب: ردَّها إليه، ولا يدلُّ ذلك على زوال مُلك صاحبها عنها. وكذلك إذا قيل: رُدَّ على فلان ضالَّته. ولمّا باع عليٌّ أحدَ الغلامين الأخوين قال له النبي ﷺ: «رُدّه، رُدّه»٢. وهذا أمرٌ

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣/ ١٢) واللفظ له.
  2. (٢) أخرجه الترمذي (١٢٨٤)، وابن ماجه (٢٢٤٩) من طريق الحجاج بن أرطأة عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي به. والحجاج ضعيف، وميمون صالح الحديث لكنه كثير الإرسال، قال أبو داود: لم يدرك عليًّا. قاله ابن عبد الهادي في «التنقيح»: (٤/ ٩٨).
    ورواه أبو داود (٢٦٨٩)، والدارقطني (٣٠٤٠) من طريق يزيد بن عبد الرحمن الدالاني عن الحكم به: أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ فردّ البيع. قال الذهبي وابن عبد الهادي: ويزيد صدوق، وهو أقوى من الحجاج.
    وفي أسانيده اختلاف وله طرق أخرى عن علي ﵁، ينظر: «نصب الراية»: (٤/ ٢٦)، و«البدر المنير»: (٦/ ٥٢٢)، و«علل الدارقطني» (٤٠١).
492

بالردِّ حقيقةً.

قالوا: فقد وفينا اللفظ حقيقتَه التي وُضِع لها.

قالوا: وأيضًا فقد صرَّح ابنُ عمر «بأنّ النبيَّ ﷺ ردَّها عليه ولم يَرَها شيئًا» وتعلّقكم على أبي الزبير مما لا مُتَعَلَّق فيه، فإن أبا الزبير إنما يُخَاف مِن تدليسه، وقد صرَّح بالسماع كما تقدم، فدلَّ على أن الأمرَ بمراجعتها لا يستلزمُ نفوذ الطلاق.

قالوا: والذي يدل عليه أنَّ ابنَ عمر قال في الرجل يطلِّق امرأتَه وهي حائض: «لا يعتدُّ بذلك» ذكره الإشبيلي في «الأحكام»١ مِن طريق محمد بن عبد السلام الخُشَني قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلِّق امرأتَه٢ وهي حائض، قال ابن عمر: لا يُعْتَدّ بذلك».

  1. (١) «الوسطى»: (٣/ ١٩١).
  2. (٢) في «الأحكام» زيادة: «ثلاثًا».
493

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي