تهذيب السنن

وذَكَره ابن حزم في كتاب «المحلى»١ بإسناده من طريق الخُشَني. وهذا إسناد صحيح.

قالوا: وقد روى الدارقطني في «سننه»٢ بإسنادٍ شيعي عن أبي الزبير قال: «سألتُ ابنَ عمر عن رجل طلَّق امرأتَه ثلاثًا وهي حائض؟ فقال لي: أتعرف عبدَ الله بن عمر؟ قلت: نعم، قال: طلّقتُ امرأتي ثلاثًا على عهد النبي ﷺ[وهي حائض] فردَّها رسولُ الله ﷺ إلى السنة». قال الدارقطني: كلهم شيعة، ولم يَزِدْ على هذا٣.

ولكن هذا الحديث باطل قطعًا، ولا يُحتجّ به، وإنما ذكرناه للتعريف بحاله، ولو كان إسناده ثقاتًا لكان غلطًا، فإن المعروف من رواية الأثبات عن ابن عمر: أنه إنما طلق تطليقةً واحدةً، كما رواه مسلم في «الصحيح»٤ من حديث يونس بن جبير.

ولكن لو حاكمنا منازعينا إلى ما يقرّون به من أن رواية أهل البدع مقبولة، فكم في «الصحيح» من رواية الشيعة الغلاة، والقدرية، والخوارج، والمرجئة، وغيرهم= لم يتمكَّنوا من الطعن في هذا الحديث بأن رواتَه شيعة، إذ مجرَّد كونهم شيعة لا يوجبُ ردَّ حديثهم٥.

  1. (١) (٩/ ٣٧٥، ٣٨١).
  2. (٢) (٣٩٠٢) وما بين المعقوفين منه.
  3. (٣) في «السنن» عقبه: «والمحفوظ أن ابن عمر طلّق امرأته واحدةً في الحيض».
  4. (٤) (١٤٧١).
  5. (٥) قال الحافظ الذهبي في «الميزان»: (١/ ٥ - ٦): «البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق. فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.
    ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر ﵄، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتجّ بهم ولا كرامة. وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا.
    فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرْفِهم هو مَن تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًّا ﵁، وتعرّض لسبّهم.
    والغالي في زماننا وعُرْفِنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضالّ معثَّرٌ».
494

وبعدُ، ففي معارضته بحديث يونس بن جبير «أنه طلقها تطليقة» كلامٌ ليس هذا موضعه، فإنّ مَن جعل الثلاثَ واحدةً قال: هي ثلاث في اللفظ، وهي واحدة في الحُكْم، على ما في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس١. والله أعلم.

قالوا: وأما قولكم: إن نافعًا أثْبَت في ابن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخصّ، فروايته أولى أن نأخذ بها، فهذا إنما يُحْتاج إليه عند التعارض، فكيف ولا تعارض بينهما؟ فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تُحْسَب عليه، وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قطّ أن النبيَّ ﷺ حَسَبها عليه، بل مرَّة قال: «فمَهْ» أي فما يكون؟ وهذا ليس بإخبارٍ عن النبيِّ ﷺ أنه حسبها. ومرة قال: «أرأيتَ إن عَجَز واسْتَحْمق؟»٢ وهذا رأيٌ محض، ومعناه: أنه

  1. (١) أخرجه مسلم (١٤٧٢/ ١٦).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٨)، ومسلم (١٤٧١/ ٧).
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي